الشبح

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : ناجي طاهر | المصدر : www.arabicstory.net

 

 

 

الشبح.

 

 رنين الهاتف كان عادياً .. خافتاً . إنه الجهاز اللعين . في كل مرة أقول سوف أغيره و لكني لا أفعل . رفعت السماعة و جاء الصوت مهذباً .. يسأل بأدب و حياء عني .

 

لم أصدق الأمر ، قال أنه عرف من أحد ابناء القرية هنا الذين التقاهم بالصدفة بعد ان سألهم عني ، فأخبروه أنني هنا و أخذ رقمي منهم .. كنت سعيداً جداً بهذا الإنبعاث الجديد لعلاقة حميمة ، لصداقة قديمة ، شذبتها و أشبعتها سنوات المراهقة و بدايات الشباب بكثير من الذكريات و المشاعر الجميلة ..

 

راح يصف لي شخصه على الهاتف فيقول " أنا أصبحت كبيراً جداً ، وزني فوق المئة كيلوغرام .. " و أقول ، " أنا تغيرت أيضاً و قد أخذت مني السنون أيضاً ما لها عندي .. و لكني أبدو ربما هرماً أكثر من اللازم أو أكثر من عمري و لكني لا أزال بعد تحت عتبة المئة كيلو .." .. تابعنا إتصالاتنا و تمنياتنا أن نلتقي .. لكن المدينة التي يقيم فيها تبعد عني حوالي الثلاث ساعات .. فكنا نؤجل الأمر لأوقات مناسبة أخرى ، فنتعرف على ببعضنا من جديد و تتعارف زوجاتنا ببعضهن أيضاً و و ولدينا الصغيرين ..

 

عندما تعرفت به لأول مرة في القرية ، كان قادماً حينها من الكويت . و لم يكن صدام بعد قد دخلها و لا جرى ما جرى .. لا أعرف كيف أصبحنا أنا و علي صديقين بهذه السرعة .. و شعرت كأننا أصدقاء ترعرنا معاً منذ الصغر .. كنا نلاحق الفتيات سوياً و تكاد لا تمر لحظة من أيام تلك الصيفية الا و نكون فيها معاً ..كان ذلك الصيف غريباً و جميلاً جداً و قد شهد أعداداً كبيرة من أهل القرية المغتربين ، الذين أتوا للإصطياف و زيارة الأهل ..

 

مرت السنون و تفرقت بنا السبل .. و ذهب كل منا في طريقه . و لم نشاهد بعضنا فيها و كل ما تلقيناه من بعضنا خلال هذه السنوات القليلة بعض السلامات التي أرسلتها له مرة مع أخيه الذي شاهدته صدفة

 

،و سلاما منه أرسله لي مع أخي كذلك بالصدفة .. وكان ذلك منذ عدة سنين . غير هذا لم يعد لعلي وجود في حياتي ..حتى أكاد أجزم أنني نسيته كما أظن أنه بدوره فعل ذلك ايضاً.

 

عندما مرّت السيارة الفارهة الحديثة مسرعة كبرق أو شبح أمام المارة التي كنت واحداً منهم ننتظر ضوء الإشارة الأخضر .. نظرت اليها و لم يستطع نظري أن يحدد ماهية هذا الشيء الطائر أو السائر الا بعد أن قطعت الشارع و أصبحت بعيدة.. إنها تشبه سيارة علي التي زارني بها زيارته تلك .. و سألت نفسي :" لماذا تراه قاطعني دفعة واحدة ، و نحن لم نلتقي سوى مرة واحدة ..!!"

 

تذكرت كذلك كيف وضع الخمسين يورو قرب رأس ابني الرضيع و كيف أننا ، أنا و زوجتي رفضنا ذلك ، لكنه أصر و قال : " إنها هدية للولد ".

 

كانت زيارته اليتيمة خاطفة جداً و مباغتة .. اتصل بي و كنت في الطريق الى البيت و قال أنا في مدينة ليست بعيدة جداً عنك كنت في عمل هناك ، إن لم تكن مشغولاً أمر صوبك ! " .. فجاء . 

 

التقيته في الشارع كما أتفقنا .. و رأيت سيارته الفارهة .. لم أكن قد رأيت مثلها بعد كانت حديثة جداً و شكلها الخارجي يشبة مركبات الفضاء .. ركنها حيث أشرت عليه و صعدنا الى البيت ..تاملنا ملياً في وجوه بعضنا .. تذكرنا ما تذكرناه .. و تحدثنا في أشياء مختلفة .. أسئلته كانت مركزة و محددة ... يمررها بلباقة بارعة ، و إختصار شفيف .. قال عن بذلته الأنيقة جداً، " إنها من لوازم أو من عدة العمل ، أرجو أن تعذرني !." .

 

 تراه استعرض مآل هذا الصديق القديم .. و قد حدثني عن علاقاته القليلة على الصعيد الشخصي ، و أنه يقضي أوقات الفراغ في اللعب على الكمبيوتر ..سألني عن عملي و حياتي فكانت إجاباتي وافية مختصرة.. كان أثناء تناولنا الطعام على طاولة السفرة ، لا ينفك يحدق بي و ينظر الى الكتب الكثيرة ، المبعثرة هنا و هناك.. ..ماذا تراه قرأ في صفحة وجهي الشاحب و في عيني الجاحظتين ، فقرر بالتالي أن يركنني مجدداً في دفتر ذكرياته من جديد!. أم تراه لم يزرني البتة و لم نلتقي! . وكل ما رأيته لم يكن سوى شبحاً مرّ مع برق تلك السيارة و مضى دون أثر!