شَعر الأيام

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : ناجي طاهر | المصدر : www.arabicstory.net

شَعر الأيام .

 

- قصّ شعر الأيام يا مجيد!

 

قلت له و أنا أجترح ابتسامة ، ترطّب جوّ اللقاء .

 

منذ شهر بالتمام و الكمال كنت ها هنا . و جلست على هذا الكرسي أيضاً . و كان شعري طويلاً و كثاً . و مجيد كان هو نفسه من عالج  تورّم أيامي  هذه ، أو تمددها السائب خارج فروة رأسي .
و سألته حينها عن حال بغداد ، و أذكر أنه قال ، أنها سيئة ، و زاد ، أنها من يوم لآخر تزداد سوءاً . فهل أسأله اليوم أيضاً عنها ، و أنا لا أذكر أنني فوّت نشرة أخبار واحدة خلال  هذا الشهر . لا ، لن أُثقل عليه !

 

كانت إجاباته حينها مقتضبة ، كأنه لا يحبّذ الخوض في السياسة ، أو أنه يتجنب تداعيات لا داع لها، قد تترتب على كلام قد يقوله . لكنه سرعان ما أدلى بشيءٍ عن الذبح و الذبح المضاد . فقال بشيء من الثقة و الإعتداد :

 

- عندما يُقتل أحد الأشخاص من حي ما ، تأتي جماعة مسلحة بشخص من الحي المقابل ، و يعرضونه على والد الضحية ليأخذ بثأره ، فإن أبت نفسه ، قاموا هم بالأمر عنه ، دون كثير عناء .

 

ثم أردف :

 

- عادي ، العين بالعين و السّن و بالسّن و البادي أظلم .

 

بدا مجيد حينها، حفيداً مخلصاً لجدِّه حمورابي ملك سومر القديم  .

 

لا ، لن أسأله عن العراق هذه المرة ، فلربما أراد أن يعاملني بالمثل ، مطبقاً شريعة جدّه الآنفة عليّ ، فيسألني بالمقابل عن لبنان ! و انا ليس في جعبتي الكثير لأقوله في هذا الصدد . ثمّ أني كذلك لا أحبّذ الخوض في السياسة يوم  السبت . فاليوم أول العطلة .

 

 في المرآة التي أمامي ، قعد شاب ينتظر . ملامحة متفاوتة . بين الصيني و الغربي ، و فروة أيامه لا تزال فتية بعد . و بدا أن مجيداً سوف لن يستطيع غرز مشطه بها ، ليتسنى لمقصّه أن يجزر ثواني زمانها .

 

 سألت مجيداً عن سرّ الزبائن ، الذين يكون شعرهم خفيفاً جداً ، لكنهم مع هذا ، يأتون اليه :

 

 - ربما يريدون أن يظهروا في أبهى حلة كل يوم .

 

- و كيف يمكنك بالمقص ، معالجة الشعر الخفيف ؟

 

سألته .

 

 - لهذا ، تراهم  أوجدوا آلة الحلاقة الكهربائية الدقيقة !

 

" .. تلك التي تختص بمعالجة الأيام الطفيلية ، التي تتشبث في لحاء الجمجمة ."

 

 أكملت في رأسي .

 

و حول ما إذا كانوا ألماناً أم من جميع الجنسيات ؟  أجابني :

 

- إنهم من كل الجنسيات . فلا فرق في الشَعر بين عربي أو أعجمي ، فالكل في هذا الشأن سواسية .

 

" تراهم يحاولون تبديد الأيام شعرةً شعرة ! و هم يتكلفون بذلك عناء الدفع المتقارب ، بإزاء تحقيق الرغبة في قصف الأيام نتفاً قصيرة ، علاوة عن دفعها خصلاً شهرية ، يكاد المرء يشعر بالأسى عليها! "

 

 تسآءلت في نفسي خلسةً في الفينة ، التي كان مجيد يبدّل الشفرة فيها.

 

وكونه يمسك بناصية عقلي من فوق ، تراه أحسّ بكهرباء الأفكار ، التي كانت تتوتر في رأسي! فبادر بالكلام على غير العادة ، و راح يشكو من كثرة العمل . و أن هذا السبت قد تداعى هو الآخر، لأن الزبائن لا تنفك تتوافد . و بأن الأحد مخصص للنوم الطويل ..

 

 قلت ، يا للعجب ، جامع أيامنا يشكو هو الآخر من ضيق الأيام !

 

يترك مجيد مستطيلاً من الشعر النابت قليلاً في وسط رأسه كعرف . لا أعرف إن كانت قَصّة الصفر العصرية هذه ، بمثابة الإعلان أو الدعوة الدائمين للزبائن ، للتنبه لضرورة قصّ شعورهم ! أم تراها ناتجة عن طبيعة شعره الخفيفة ، المائلة الى الصلع المبكّر !

 

مجيد ، شاب طيب ، متزن و ودود ، كما أنه متزوج و لديه بنتاً . كما أخبرني مرةً. ويبدو أنّ ذاك العُرفُ الذي يبدو كعرف البانكي و لكنه صغير أو خجول ، لا يُضيره في شيء  ، كذلك  القرط ، الذي يعلقه في أذنه . فالزبائن لا تنفك تتقاطر اليه من كل الجنسيات و الأعراق ..

 

" هذه أمور ، تندرج هنا في إطار حرية التعبير عن الرأي و حق الفرد في الإستحواذ على جسده و حرية التصرف به كما يشاء ، إلاّ في حدود حالات معينة ". علّلت لنفسي اللجوجة .

 

 و لكن رغم هذا ، - و بغضّ النظر عن حديث الذبح الآنف الذكر- فإن المرء لا يستطيع  أن يتنكر لمسألة جوهرية ، أنه يتعهد برقبته لرجل يدير بيديه الآت حادة . في كل مرة ، في اللحظات الأولى ، عند بداية كل عملية قصّ ، ينتابني شعور غامض بالريبة أو بالتسليم للقدر أو بالرضوخ للأمر الواقع . فهو عندما يمسك برأسي ، و يميله الى هذه الجهة أو تلك ، طالباً مني في كل مرة الثبات و عدم الحركة ، تمر لبرهة على شبكة عيني ، ذكرى خواريف المسلخ عندما يُجزُّ صوفها قبل سوقها الى مصيرها المحتوم .. وذلك قبل أن يرتخي جسمي بعد إشتغال شفرتي المقص ، محدثةً صوتها المعروف .

 

بعد جولة مجيد في مقارعة الشعرات المتمردة أو المتمادية ، يعرج على رقبتي بموسه ، ليزيل عنها دقائق الشعيرات الصغيرة ، المتبعثرة بغير هدى . راسماً خطاً مستقيماً ، يكون حداً فاصلاً بين حدود الرأس و باقي الجسد . يعطّر بعدها رأسي بمسك الختام .

 

- نعيماً !

 

قال ، بعد أن أراني  بمرآة مستديرة ، رقبتي . و أومأت مستحسناً . كما أفعل عادةً  ، إذ أتيقن ، أنّ العملية اكتفت بهذا القدر ، من التهشيم و الجز ، للشعرات المتنافرة ، و لم تطمح بأكثر من ذلك .

 

نهضت فيما شرع هو يجمع أيامي الثلاثين في مكنسته الكهربائية ، كما اعتاد أن يفعل بعد كل رأس . و ذلك قبل أن يجلس على كرسي إعدام الزمان هذا ، متطوع  أو " مشروع " شهيدٍ آخر .