نهار خريفي ليس عديم الألوان

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : عبدالكريم يحيى | المصدر : www.arabicstory.net

 

 

لم يتقاعد لأنَّه كان يشعر بأنَّ هناك الكثير مما لم يقله بعد، أسراب من ورق الشجر الأصفر، تحملها رياح معتدلة البرودة، أشعة شمس الخريف تتخلل أشجار الغابة، ليست غابة كالغابات الاستوائية، غابة صغيرة قرب قسم الغابات التابع لكلية الزراعة، لبدء الدوام بعد انتهاء العطلة الصيفية رائحة خاصة، تذكرني برائحة أول ممحاة اقتنيتها عند التحاقي بالدراسة الابتدائية، ربما رائحة الخريف، لماذا يفرح العصافير ببدء الدوام؟ سألني أحد أحفادي، الأطفال يعبرون الشارع بفرح، يرتدون زيَّاً موحدا ذي لونين، الأبيض والأزرق، اجتاز حدائق الجامعة وهو يلاحظ حركة يديه، مرَّ بمجموعة طلاب وطالبات سلَّم عليهم، أومأت له طالبة بابتسمة غامضة، لم ينتبه لها، اتجه يساراً ليصعد إلى قاعة حمورابي، كانت مفتوحة الأبواب، حين دخل تأمل كم كانت القاعة ضخمة ومظلمة، والجدران المطلية بخشب الساج البني، لتسهيل رؤية الأفلام التي يعرضها الأستاذ كوسيلة إيضاح بواسطة الفانوس السحري، هذه هي عينُ الصالة التي دخلها قبل خمسين عاماً، عَبَقُ الماضي، كانت احتفالات يوم الجامعة، كان له من العمر ستة عشر سنة، كانوا يمثلون مسرحية لتشيخوف من ممثل واحد، لم يكن يعلم حينذاك أنَّه سيقضي على خشبة القاعة ثلاثين عاماً من عمره، هذه القاعة الكبيرة كانت في البداية تستخدم في الاحتفالات فقط، حين كان عدد الطلاب صغيراً، أما اليوم فإنَّها بالكاد تكفي، وبعض الطلاب يجلسون على الأرض...بعد خمس سنوات فقط استغنى عن دفتر الملاحظات، وما عادَ يحمل معه حقيبة ويقضي أوقات الفراغ في مكتبة الجامعة بين الكتب، بعيداً عن مشاكل الوسط التدريسي، وحيث لا أحد يقدر ان يزعجه، وفي المحاضرة كان يكفيه ما حشته السنين في رأسه من ملاحظات مكدسة بفوضوية لا علاج لها، حتى صارت محاضراته ممتعة لأنَّه أغلبها يدور خارج الموضوع المنهجي، حتى انقطعت ظاهرة الغياب بعد أن توقف عن تسجيل أسماء الغياب، كان يعتقد أنَّ ثلث وقت المحاضرة يضيع في قراءة الأسماء وتسجيل أسماء الغائبين ومن ثم محاسبتهم بحسم درجاتهم، بعد سنوات التدريس الطويلة نظرته لطلبته تغيرت كثيرا، خاصةً وأنَّ بعض تلاميذه صاورا زملائه في التدريس، ما كان يفرحه كثيراً ولا زال يفرحه أن الطلبة الذين يجلسون في الصف الأول، كانوا يدونون كل ما يقول، والبعض الآخر يصمتون، والبقية لا يكفون عن الثرثرة همساً والضحك، كان يقترح عليهم أن يتركوا القاعة لينالوا قدراً أكبر من الحرية، لكنَّهم كانوا يرفضون مغادرة القاعة وينكسون رؤوسهم شعوراً بالخجل، ليعودوا إلى ما كانوا عليه في أقرب فرصة....كان يتفاخر أمام الجميع كيف من السهل عليه أن يجعل بعض طلبته يشعرون بالخجل، ويأسف في نفس الوقت أنَّه يجد صعوبةً كبيرة في جذب انتباه الطلبة..قرر أن يتقاعد في النهار الذي جاء متأخرا لأنَّه كان عديم الألوان...