كأني ما زلتُ أعدو ورائي

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : طالب همّاش | المصدر : www.adab.com

 

قمرٌ جارح فوقَ سفحِ الغيومِ‏

يشقُّ قميصاً من الدمعِ‏

ثم يدثرني من شقائيْ‏

فأهتفُ: يا شارحَ الليل بالحزنِ‏

سقَّطَ لوزي وتينيْ،‏

وهرّ خريفُ بكائي!‏

أنا المتأبّد في الحزنِ‏

من دون جدوى‏

أحدّقُ في الأفقِ الطلقِ‏

مثلَ الغرابِ العجوز،‏

وأجتثّ من جذوةِ الريحِ‏

رَجْعَ حدائي!‏

يباكي أعالي المواويل صوتيْ الجريحُ،‏

ويرتدُّ نحوي صداي‏

أنا المتعثرُ بالدمعِ والقرويّ الحزينُ‏

بكتني أطلاليَ الموحشاتُ‏

وشيّعني للغروبِ رثائيْ‏

ثلاثينَ عاماً يكرّرُني الانتظارُ‏

على صخرهِ المرِّ،‏

والحزنُ يدفعني لاجتيازِ المتاهاتِ‏

ما من فتاةٍ تذكرني بالأمومةِ‏

أو أغنياتٍ تهزُّ سريري القديمَ‏

كأنيَ من أوّل العمرِ‏

ما زلتُ أعدو ورائيْ!!‏

أراكضُ في الريحِ حقلاً من القمحِ‏

خلفَ الغيومِ‏

وأصرخُ أماهُ!!‏

هذي العصافيرُ تشبهني بالزغاريدِ،‏

هلْ تهرمُ الطيرُ عندَ الخريفِ؟‏

لماذا إذنْ تتبعُ الشمسَ نحو المغيبِ‏

وتسقطُ في آخرِ الدكنةِ الداجيه؟‏

لماذا أجاهرُ في الروحِ هذا الغناءَ؟‏

وأصدو كناي النحيبِ‏

على سنةٍ آفلهْ!‏

لماذا تعودُ السنونو‏

إلى عشّها في المساءِ؟‏

وأرحلُ مثل الذئابِ‏

إلى وحشةِ الباديهْ!‏

سأحرقُ نفسيَ بالنارِ‏

ثم أجمّعُ هشّ الرمادِ‏

لأدفنهُ في تميمةِ صدركِ‏

أمّاهُ،‏

كي تبرأَ الروحُ من حزنها المريميّ،‏

ويضحلَ ماءُ العذابِ بمجرى الوريدِ‏

كأنْ يصبحَ العمرُ بيتاً من الطينِ..‏

جدٌّ حنونٌ، شتاءٌ،‏

طشاشينُ تهشلُ بين التكايا،‏

ومدفأةٌ صاديهْ‏

فتسمعُ شجوَ المواويلِ في شجرِ الليلِ‏

يُصدي أحنّ من الغفَيانِ‏

وتسمعُ قلبَ الربابِ الحزينِ‏

يعمّرُ كوخاً‏

ببيتِ عتابا‏

فتسألُ نفسكَ عن نفسها،‏

وتشدُّ عليكَ اللحافَ من البردِ‏

ما أدفأ البردَ!‏

ماأعذب المطرَ المتهالك بين المزاريب!‏

والشمس وهي تقشع غيم الكآبهْ!‏

لتَشْتُ إذن كل تلك الغيوم‏

ولتلسعِ الريح بالهذيان جبيني!‏

لِيتبعني أينما رحتُ طيرُ الحواكيرِ،‏

والسنبلُ الجبليُّ‏

لعلّي أرمّمُ ما حُتَّ من أمليْ‏

ويقيني‏

لتتبعني شدّةُ القمحِ صفراءَ،‏

زغرودةُ العرسِ بيضاءَ‏

كيما أعزّزَ من ندميْ،‏

وأرقّعَ بالقشّ ثوبَ سنينيْ‏

كأنْ كلّ ما مرَّ منّيْ على الأرضِ‏

محضُ غناءٍ على أملٍ ضاعَ!‏

والركضُ في الصيفِ خلفَ السحبْ‏

ولكنني الآنَ أشعرُ‏

ظفرَ الكهولةِ يحفرُ في الروحِ‏

أنفاقَهُ المظلماتِ،‏

وثعلبةَ الأربعينِ‏

تشقُّ أخاديدها عبرَ وجهي الحزين،‏

ويشتدّ حزنُ المهبْ‏

وحزنٍ تعودّتُ علقمَهُ الفجَّ‏

حتى وجدتُ عزائيَ في الحبّ‏

منحدراً من أعالي غنائي‏

إلى هوّة اليأسِ‏

أستدرجُ الروحَ نحو صداها البعيد،‏

وأُسقطها كالصراخِ‏

إلى قاعها المنتحبْ‏

بلا أيّ إثمٍ‏

أُسائلُ نفسيْ عن الريحِ:‏

أينَ ثياب الطفولة كيما أشمّ رياحينها،‏

والطيورُ التي رعرعتْ روحيَ المستهامَ‏

على رَجْعِ تغريدها‏

في هواءِ العنبْ؟‏

وأينَ مناديل أميْ لأربطها على شجرِ الكينياءِ؟‏

وأغفو بكاملِ روحيَ‏

تحتَ حفيف غصونِ القصبْ‏

كأنْ غابتِ الشمسُ إلا قليلا..‏

ولم يبقَ غيرُ خريفٍ‏

يلاطمُ أغصانَهُ بالعراءِ‏

ليرمي بها في ضريحِ الحطبْ‏

أنا الطفلُ‏

أوّل يومٍ رأيتُ نبيّاً‏

فشيخاً، فكهلاً‏

وراحت تدورُ بيَ الأرضُ‏

بينَ القبورِ‏

إلى أن رأيتُ وجودي قريباً‏

من الموتِ،‏

أطلقتُ تنهيدةَ الاحتضارِ الأخيرةَ‏

ثمّ انسللتُ إلى حجره‏

وأهلتُ عليّ ترابَ الحياةِ الأحبّْ