ماء المرأة البيضاء

الناقل : mahmoud | الكاتب الأصلى : طالب همّاش | المصدر : www.adab.com

 

المرأةُ البيضاءُ

ذاتُ الصمت والإصغاءِ ...

منحلّاً على وجهِ الغديرِ جمالها الورديُّ

كانت قربَ نبعِ الصبحِ

تملأُ كأسها الفضيَّ بالماءِ القراح

وقلبها الشفّافُ ينبضُ مثلَ موجٍ

رائقِ الجريانِ في ماء الغروبْ .

...

تنحلُّ شمسُ بياضها الصافي

ضياءً أنثويّاً ( أبيضاً ) سكرانَ

في الأبصارِ ،

والرمان يهطلُ مسكرَ القطراتِ

من نحر حليبيِّ العذوبة والطيوب ْ .

...

يا ليتَ لي امرأة

تربّي العطرَ بين أنوثةِ الأزهارِ في أصص ِالصباحِ

ووجهها الورديُّ يسبحُ في موسيقى العطر

مثل المزهريّةِ ، مشتهى ماء القلوبْ !

...

لأرى انعكاسَ صفاء ِ لونِ العين ِفي الأزهارِ

شفّافاً كماءِ الآسِ

والقبلَ التي لا تُشتهى

إلا على مرآى شروقِ الشمسِ

بين شفاهها السكرى تذوب ْ .

...

لأشمَّ كالنعناعِ فوحَ نسائمِ الريحانِ

أو غيبوبةَ العطرِ المراهق ِ

في انسدالِ الشعرِ حتى الخصرِ

في تكويرةِ التفّاحِ قبل قطافهِ عن أمّهِ الخضراءِ الزهراء

حينَ يفوح ُماءُعبيرها فوق السهوبْ .

...

يا ليت لي امرأة

لأسقيها خزامى الكأسِ بالنعناعِ

كي تُروى رواءَ الروحِ

أو لتكونَ لي سمّي الذي أُسقاهُ عند الموتِ

مسرايَ المؤنثَ في ازهرارِِ سماءِ ليلِ الصيفِ

نحو معارجِ العشاق ِ

حيث البدرُ مجروحٌ بشهوتهِ

ومحروسٌ بأخوتهِ النجومُ

يضمّهُ ليلٌ حليبيّ

وتغسلهُ بماءِ النورِ ربّاتُ المساءْ .

...

حيث الكنائسُ عالياتُ الحزن

يسبحُ صمتها في الليلِ كالأسرارِ

يصعدُ ضوؤها المولودُ من ندمِ الشموس

إلى مصافي الحزن كي يبكي يسوعاً ضاعَ

والتسبيحُ تحتَ ملامسِ الأجراسِ

يوقظُ مريمَ الثكلى على كلّ البكاءْ !

...

حيث القصائدُ مسكراتُ الرجعِ

ترفعها إلى الإعجازِ أسرار ُالمجازِ العذبِ

ترفعها إلى يائيّةِ العشاقِ

قيسيّاتُ ليلى العامريةِ

كي تصيرَ كليمةَ العذريِّ في نجواهُ

والقطعُ الصغيرةُ من جمالِ الصوت

تصعدُ سلّم َالإنشادِ في هيمانها الصوفي

ياءً بعد ياءْ .

...

المرأة ُالبيضاء ُ...

تسميةُ النعومةِ بالحماماتِ الصغيرةِ ،

أوقطاةِ الصبحِ عند هديلها الشفّافِ

تسمبةُ العذوبةِ بالرؤى ، ورهافةِ الأطيافِ

بالضوءِ الذي ينشقُّ عن ماءِ الأنوثةِ

عارياً كالأقحوانةِ ،

صافياً مثل الهلالْ .

...

هيَ عشقنا للغيمِ قبلَ هطولهِ في بركةِ الرغباتِ ،

خيطُ الحزنِ مشدوداً على وترِ الحنينِ المرِّ ،

رغبةُ روحنا بالموتِ في الوطنِ المؤنثِ

كي نصيرَ تموّجاً أعمى على وجهِ الرمالْ .

...

هي توقنا للنومِ في مجرى المياهِ العذب ِ

كالأطفالِ

عودتنا إلى رحم ِ البداية ِسابحين َ

لكي نهوّمَ في سماء ِاللون ِأطيافاً

يخلّقها الخيالْ .

...

محدودباً فوقَ الغديرِ

كجذع ِصفصاف ٍقديم ِالدمع ِ

أبصرُ في مرايا الماء ِأطياف َالنساءِ ،

أرى هبوب َجمالهنَّ المشتهى

يعلو على مرأى البياضِ الطلق ِ ،

والثلج َالذي ينحلُّ من أجسادهنَّ

كسائلٍ أعمى

ليتخذ َالأنوثة َجدولاً ويسيل ..

مبتعداً إلى برك ٍسيشربها الغزال ْ .

...

وأرى اغتسالَ المرأةِ الشهَّاء ِبالمطرِ الرضيعِ ،

أرى فتاة ًحمَّمتها الشمس ُبالصابونِ

في ماءِ الغيومِ

لكي تصيرَ عروسة َالعشّاقِ

حين يلوّح ُالرمّانُ في شجر ِالصباحِ ..

أرى نهوداً عذبةَ التفاحِ

يرشحُ من تشهّيها رحيق ٌعاطرُ الشهواتِ

في الماءِ الزلالْ .

...

لو أنني يا نهرُ أُعطيتُ الطفولةَ

لاتكأتُ على ضفافِ الماءِ كالصفصافِ

أسمع ُصوتَهُ المنساب َفي الأسماعِ كالأجراسِ

والمهدُ الذي تهتزّ ُفوق وليدهِ الأغصانُ

مهديْ !

لو أنني يا نهرُ أُعطيت ُالسكينةَ

لانحنيتُ على حليبِ النبعِ كالمفطومِ

أنهل ُنهلة َالظمآن ِ

من حرّي وبَرْدِي !

لكأن َّسطرَ الماءِ تحتَ محابرِ الصفصافِ

خيطُ اللذَّةِ المسروقُ من ضوءِ العيونِ السودِ

خيطُ حنيننا الموصولُ بالأمِّ البعيدةِ

قبل َأنْ تغدو الحياةُ تطلّعاً من شرفةِ الماضي

إلى ندم السماءْ .

...

وكأنَّ المرأةَ البيضاءَ آخرُ ما نحبّ ُمن النساء ْ .