اثر حضارة وادي الرافدين في حضارات العالم

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : boumedien3lion | المصدر : www.egyptsons.com

اثر حضارة وادي الرافدين في حضارات العالم(ارجو التثبيت)

أثر حضارة وادي الرافدين في حضارات العالم

لقد ساد في العالم ولا يزال إشاعة مفادها ، بأن الإغريق هم أقدم الحضارات و أكثرها أثرا في العالم .. ولكن بعد أن أظهرت الحفريات عن آثار العراق القديم ، كان لا بد من أن ينتبه المثقف العربي ، الذي يتصل بتلك الحضارة كوريث شرعي لها بأن حضارة وادي الرافدين هي أقدم حضارات العالم ..

والسند في ذلك ، عمر حضارة العراق ، التي تسبق بعشرات القرون كل من حضارة النيل والهند واليونان والصين والمكسيك *1 .. وهذا اتضح منذ أكثر من قرن ونيف بعد اكتشاف آثار السومريين و أكد و بابل و آشور وغيرها من الممالك التي كانت سائدة في العراق القديم ..

وقد يحتج أحدهم ويقول : أليس من الممكن أن تظهر الحفريات بالمستقبل ما هو أقدم من حضارات العراق ؟ .. والجواب : بلى ، لكن هذا مجرد افتراض ، ونحن نناقش بالواقع فعلا ، وليس بالافتراضات التي قد لا تحدث !

وقد يحتج آخر ، بمكر ، ويقول : وهل قدم الحضارة وحده ، يعطي للحضارة كل تلك الأهمية ؟ .. وهو سؤال يحمل بثناياه ، انتقاصا غير قليل لحق الأمم بالزهو بحضارتها ، ومع ذلك سنحاول بتلك المقالات أن نبين عكس ما يرمي إليه من يغمز بعظمة تلك الحضارة ..

يقول الأستاذ ( طه باقر ) : { بعد أن قضى الإنسان القسم الأعظم من حياته في أطوار التوحش والهمجية ، فيما يسمى بعصور ما قبل التاريخ ( التي استغرقت أكثر من 99% من حياة الإنسان والتي تقدر بنحو مليوني عام ) ـ دخلت البشرية في أخطر تجربة وامتحان لا تزال تعانيهما بانتقالها الى طور الحضارة الناضجة ، وقد تحقق ذلك لأول مرة في تاريخ الإنسان بانتقال وادي الرافدين ووادي النيل في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد .. الى حياة التحضر المدنية } * 2

ويؤكد الدكتور أحمد كمال زكي بأن الدارسين ، يقرون بأن المنطقة الهلالية الشكل ، أي بلاد ما بين النهرين ( كانت مهد الحضارة منذ فجر التاريخ )*3

وقبلهما قال العلامة (كريمر ) ، وهو أعظم اختصاصي في هذا الميدان : {ولدينا من الأسباب المعقولة ، ما يحملنا على الاستنتاج ، أنه ظهر في غضون الألف الثالث ق. م . طائفة من المفكرين والمعلمين السومريين ، حاولوا أن يصلوا الى إجابات مرضية عن المسائل التي أثارتها تأملاتهم في الكون وأصل الأشياء فكونوا آراء وعقائد في أصل الكون والإلهيات ، اتسمت بقدر عظيم من الإقناع العقلي ، وأصبحت آراؤهم و معتقداتهم فيما بعد عقائد ومبادئ أساسية لكثير من شعوب الشرق الأدنى القديم } * 4

و يستغرب ( كريمر) .. بأن الحفريات التي كانت تتم قبل حوالي قرن ، كانت تتبع آثار الآشوريين والبابليين ، ولم يكن يخطر ببال المنقبين أنهم سيعثرون على حضارة أقدم ، ولم يكن للسومريين ذكرا في آثار البابليين والآشوريين ، مما يدلل على أن ذاكرة تلك الحضارة قد نسيت من قبل الحضارتين البابلية والآشورية اللتان كانتا معاصرتان لحضارة وادي النيل .. ولن يتم نسيان ذكرى حضارة إلا إذا مضى عليها آلاف السنين ..

لقد عرفت الحضارتان البابلية والآشورية من خلال كتابات الإغريق و الرومان ، وكذلك ما كتبه العبريون في كتاباتهم من خلال السبي و قبله ، وتحريف معتقدات أهل العراق ، ونسبها إليهم على أساس أنها كتب سماوية ..

لكن إذا تجاهلنا المخطوطات التي كانت تكتب على الأوراق ، وذهبنا الى النظر للألواح التي حفر عليها بالكتابة المسمارية ، التي يصعب محوها ، أو تزييفها ، فإننا سنجد عدد الألواح التي تم اكتشافها لغاية عام 1995 يزيد عن مليون لوح طيني مشوي ، غير التي لم تكتشف بعد .. وسيبهر القارئ ببعض ما حوت تلك الألواح ، ويقف احتراما لتلك الحضارات الراسخة ..* 5

ـــــــــ
المراجع :
1 ـ طه باقر ، مقدمة في أدب العراق القديم ، بغداد 1976 ص33
2ـ صمويل كريمر / من ألواح سومر ، ترجمة طه باقر /مكتبة المثنى /بلا تاريخ .. أندري يارو ، سومر ، فنونها وحضاراتها ، ترجمة وتعليق د سلمان عيسى سلمان وسليم طه التكريتي ، بغداد 1978
3ـ طه باقر ، ملحمة جلجامش ، بغداد 1980ص 9
4ـ د أحمد كمال زكي ، الأساطير ، دراسة حضارية مقارنة بيروت 1979 ص 9
5 ـ كريمر ، المصدر السابق ص 151

يتبع...


أصالة في الفكر :

لم تكن حضارة وادي الرافدين أقدم حضارة فحسب ، بل كانت أكثر الحضارات العالمية اتزانا و أصالة ، وإن الحضارات التي تلتها ، أسست فوقها و عقدت أصالتها في الإضافات .. ولم يتح للبشرية التخلص من هذا التعقيد إلا مع بداية الفكر المعاصر .. لذا فإن الانتباه واجب من أخذ ما يقوله الأجانب في أن حضارات وادي الرافدين كانت ممزوجة بالأساطير !

إن الأسطورة أسلوب استخدمه إنسان الحضارات القديمة ، جامعا فيها الفكر والفلسفة ، والشعر و الأدب ، وحتى العلم أحيانا . لكنه كان ، على صعيد الواقع والحياة يقيم لكل أمر وزنه ، تماما كما نفعل نحن ، مع اختلاف في (الشيوع ) ، فالشائع في أيامنا العمل المادي والتقنية العلمية ، بينما الشائع في العصور الغابرة الشعر و التصوف ..

يقول (كونتنو ) : ( إن أشكال الدين المبتكرة تركت وراءها ، منذ السلالة السرجونية ، آثارا مهمة لا تزال قائمة حتى أيامنا . وهو يشبه من بعض الوجوه ، الديانات الهندوـ أوروبية البدائية )* 1 . ولا يعترض على هذا الكلام إلا في مسألتين ، وهي إبدال لفظة ( آسيوي ) ب (عراقي قديم ) وحذف صفة البدائية .

نظرة كونية :

يقصد بالنظرة الكونية هنا : هو عدم فصل الإنسان عن الكون من ناحية ، وعدم اعتباره شيئا أو قطعة منه ، من ناحية أخرى . فهو ليس كالأشياء (يُمتلك) بل هو من يملك ، وله ( أنا ) وذات عاقلة تعي علاقاتها في أسباب وجودها من ناحية و علاقاتها فيما بينها من ناحية أخرى ..

لقد عقد الفلاسفة اليونان الذين سبقوا سقراط و افلاطون و أرسطو ، الأمور في اعتبار الإنسان قطعة من الكون المادي ، بإرجاعه الى الماء والتراب والهواء و النار . بل اعتبروه رقما أصم ، دون تفريق بين إنسان وإنسان .. ولم يكمل سقراط ( رائعته ) في التركيز على ذات الإنسان ، إذ غيبها فيما بعد إفلاطون في عالم المثل ، بينما شرَحها أرسطو قطعة قطعة ، مستخدما أساليب المنطق و ألاعيبه البهلوانية ، ففقدت اتزانها ووحدتها وجمالها ..

لقد ظهرت أبعاد حضارة العراق بصفتها (كونية) من خلال أساطير النشوء ، والطوفان ، وكلكامش ، ونزول (انانا) الى العالم السفلي وغيرها .. لن يعي هذا الكلام ، من يأخذ من المنطق (الصوري ) الغربي أساسا لتفسير ما نذهب إليه ، وسيجد من يعي هذا الكلام و أثره في نظرية ( أوجست كونت ) 1798 ـ 1857 .. وما تلا تلك النظرية من إضافات فلسفية تربعت على النظرات للحياة بمختلف مناحيها .. فقد قسم (كونت) تاريخ البشرية الى ثلاثة عهود : الأول سماه عهد الطفولة أو عهد حضارات الدين والأساطير .. والثاني : عهد المراهقة ، وهو عهد الفكر الفلسفي ، بدءا من اليونان ومرورا بالعصر الوسيط ، والعهد الثالث : عهد البلوغ والنضج ، عهد العلم والتقنية بدءا بالاكتشافات والاختراعات العلمية و الثورة الصناعية .

ان تقسيما كهذا لا يزيف التاريخ وحسب ، بل ويشوه الإنسان ويقضي عليه . فمتى كان المرء مؤمنا وحسب أو مفكرا وكفى أو عالما ولا غير ذلك ؟ لكنه المنطق اليوناني الذي يفصل ويقطع ويركب كيفما شاء .. لكننا لو استخدمنا طريقة (ديكارت ) 1596ـ 1650 المنهجية في التخلي عن الأفكار والمفاهيم ، والغوص في أعماق الذات ، لاكتشاف (الحقائق الواضحة و المتميزة ) ، لأدركنا أن نظرة كونية هي وحدها تشرح الإنسان و تقيمه ، شرط أن ترافقها نظرة كلية .

يتبع

ـــ
جورج كونتينو : الحياة اليومية في بلاد بابل و آشور ، ترجمة وتعليق : سليم طه التكريتي و برهان عبد التكريتي بغداد 1979 ص 40



نظرة كلية :

المقصود بالنظرة الكلية هو عدم تجزئة الإنسان الى روح ومادة ،ونفس وجسد ، وفكر وعمل ، كما يفهم من المصطلح عدم فصل الدين عن الدنيا ، والحياة الروحية عن الحياة الاجتماعية ، والأخلاق عن الممارسات ، وحياة الدنيا عن حياة الآخرة .

في حين لو رأينا ماذا يقول أفلاطون ومن آمن بنهجه بأن : الروح تهبط من فوق ، لتتقمص جسدا ، هو بمثابة سجن بغيض لها ، وتود لو تفلت منه لتحلق الى الموطن الأصلي حيث عالم (المُثل ) .. وزاد أتباع أفلاطون : أن المادة رجس و الجسد دنس ، لذا فإن مهمة المرء في حالة عملية تطير نفسه ، التخلص من عالم الشقاء و الاندماج بعالم الروحيات السعيد .. وقد ذهب بعضهم الى أكثر من ذلك باعتبار المرأة هي مصدر الخطيئة ..

أما أرسطو فاعتبر المادة قوة و الروح فعل . وذهب الى نظرة غريبة حيث اعتبر أن العمل هو من مهمة العبيد في حين التفكير من مهمة الأسياد .. لقد تجاوزت حضارة الرافدين هذا التقسيم و اعتبرت أن النظرة يجب أن تكون كلية .

نظرة إنسانية :

ركزت حضارة وادي الرافدين على عالم الإنسان ، بعكس الحضارة المصرية التي ركزت على الموت والحياة التي تتبع الموت .. وهنا يشير ( كريمر ) الى ملحمة ( جلجامش ) فيعتبرها عمل أدبي راقي .. وكان الإنسان هو محور تلك الملحمة ، فيشير ( كريمر ) بأن ( جلجامش ) الذي ثلثاه إله و الثلث الثالث من البشر ، إلا أن التركيز كان على صفته البشرية * 1

وكثيرة هي النصوص التي تهتم في الإنسان ، ففي ملحمة (جلجامش ) تبكي الآلهة الإنسان الذي كان الطوفان قد أوشك أن يقضي عليه نهائيا * 2

ولنلحظ هذا النص الذي هو حديث لربة ( الحانة ) موجها الى ( جلجامش) :

إلى أين تسعى يا جلجامش
إن حياة الخلد التي تبغي لن تجدها
حينما خلقت الآلهة العظام البشر
قدرت الموت على البشرية
واستأثرت هي بالحياة الأبدية
أما أنت يا جلجامش ، فليكن كرشك مليئا على الدوام
وكن فرحا مبتهجا نهار مساء
و أقم الأفراح في كل يوم من أيامك
وارقص والعب مساء نهار
واجعل ثيابك نظيفة زاهية
واغسل رأسك و استحم في الماء
ودلل الصغير الذي يمسك بيدك
وافرح الزوجة التي بين أحضانك
وهذا هو نصيب البشرية *3

لكننا نعلم أن جلجامش لم يستجب لتلك المطالب و بقي يعاند الآلهة ويبحث عن الخلود .. وهي إشارة واضحة على ترجيح الإنسانية على الخنوع لطلب الآلهة .

فيجيب جلجامش على الطلب السابق بالتسليم بما قدر له :

عندما لم يكن للسماء اسم بعد
عندما لم يكن للأرض تحت السماء اسم بعد
لم يكن بعد ألواح قدر . ولم يكن بعد كون *4

يتبع

المراجع
ـــ
1 ـ جورج كونتينو :الحياة اليومية في بلاد بابل و آشور بغداد 1979 ص 40
2ـ صموئيل كريمر : من ألواح سومر /ترجمة طه باقر ص 305-306
3 ـ ملحمة جلجامش / طه باقر بغداد 1980 ص 9
4 ـ ملحمة جلجامش ص 135و 138



نظرة أخلاقية اجتماعية حية :

سبق أهل العراق القديم في نظرتهم الإنسانية كل الحضارات ، فيقول (كريمر) : (لقد تعلق السومريون ، كما يؤخذ مما كتبوه ودونوه ، بحب الخير والصدق ، والقانون والنظام ، والعدالة والحرية ، والاستقامة و الرأفة . كما كانوا يمقتون الشر والكذب والزور وعصيان القانون ، والإخلال بالنظام والظلم والاضطهاد وارتكاب المعاصي والضلال والصرامة وتحجر القلب . وكان حكامهم وملوكهم يتباهون دائما بأنهم أقاموا القانون والنظام في البلاد ، وحموا الضعيف من القوي ، والفقير من الغني ، ومحوا الشر والظلم والعنف )*1

واستمر الأمر على ذلك في عهد الأكديين و البابليين ، ولكنه تناقص عندما انتشرت الحروب في عهد الآشوريين ، وما تبعها من ويلات وخراب .

نسوق مثالين هنا ، الأول من قانون (لبت عشتار ) خامس ملوك سلالة (أيسن) 2017 ـ 1794 ق . م ، إذ جاء في الخاتمة ما يلي :

( استنادا الى كلمة الإله (أونو) الصادقة ، تسببت في أن تتمسك بلاد (سومر ) و (أكد ) بالعدالة الحقة . واستنادا الى أمر الإله ( أنليل ) ، أنا ( لبت عشتار) ابن الإله ( أنليل) قد قضيت على البغضاء و العنف ، وعملت على إبراز العدالة والصدق ، وجلبت الخير للسومريين والأكديين . ونشرت الرفاه في بلاد سومر وأكد ) * 2

والمثال الثاني سنسوقه من نتف وردت في مقدمة و خاتمة شريعة (حمورابي) 1792 ـ 1750 ق . م .. المشهورة ، حيث جاء في المقدمة :

( آنذاك أسمياني ( الإلهان ) أونو و أنليل بإسمي ،
حمورابي ، الأمير التقي الذي يخشى آلهته .
لأوطد العدل في البلاد
لأقضي على الخبيث و الشر
لكي لا يستعبد القوي الضعيف
ولكي يعلو ( العدل) كالشمس فوق ذوي الرؤوس السود (جماهير الشعب)
ولكي ينير البلاد
من أجل خير البشر ) * 3

وجاء في الخاتمة

( أنا حمورابي الملك الكامل
لم أكن مهملا أو مزعجا لذوي الرؤوس السود
لقد بحثت لهم عن أماكن أمينة
وأعنتهم على (حل) مشاكلهم القاسية
وجعلت النور يشرق عليهم
استأصلت دابر العدو من الشمال الى الجنوب
وأنهيت الحرب و أرحت البلاد
وجعلت سكان المدن ينعمون بالصفاء والهناء
فأصبحت الراعي المحسن الذي صولجانه العدالة
ونشرت ظلي الوارف على مدينتي
وفي أحضاني حملت شعب بلاد سومر و أكد
وقد نعموا بحمايتي
وسايستهم بسلام وحميتهم بحكمتي العميقة
لكي لا يظلم القوي الضعيف
ولكي ترعى العدالة اليتيم والأرمل
لقد كتبت كلماتي النفيسة على مسلتي
لأقضي البلاد بالعدالة ولأوطد النظام في البلاد
ولكي أمنح العدالة للمظلوم
عسى أن تسود عدالتي البلاد
دع كل شخص مظلوم وله شكوى أن يمتثل أمام تمثالي
وعسى أن يريح ضميره ( ويقول):
حمورابي ، السيد الذي هو أشبه بالأب الحقيقي للشعب )* 4

وإن دفع الأذى وملاحقة الشرور هي سمة تجسدت في ملحمة (كلكامش) عندما يلتقي البطلان ( كلكامش ) و (أنكيدو ) اللذان تعاونا على قتل (خمبابا) رمز الشر ويخلصوا كل الناس من شروره .. نجد أن كلكامش يشجع أنكيدو بقوله :

( أيليق بصديقي أن يحجم ويتخلف ؟
كلا يا صديقي علينا أن نتقدم ونوغل في قلب الغابة
وسيحمي أحدنا الآخر ، وإذا ما سقطنا في النزال
فسنخلف من بعدنا اسما خالدا ) * 5

ــــ
المراجع
1 ـ صموئيل كريمر / من ألواح سومر/ ترجمة طه باقر ص 192
2 ـ د فوزي رشيد/ الشرائع العراقية القديمة / بغداد1979/ص 66
3ـ المصدر السابق ص 113
4 ـ المصدر السابق ص 168
5 ـ ملحمة كلكامش ص 105





سمو أدب شعب الرافدين

لقد تميزت آداب السومريين والأكديين و البابليين وما أتى بعدهم ،بأنه أدب مكتمل السمات ، معظمه شعري ذو طابع رفيع و خصوصية متميزة ، الأمر الذي جعله يؤثر على الآداب العالمية اللاحقة مع احتفاظه بالأصالة والأسبقية .

يقول الباحث طه باقر ( .. إنما يثير الدهشة لدى الباحث الحديث أن يجد ذلك الأدب الموغل في القدم ، يتميز بالمقومات الأساسية التي تميز الآداب العالمية الشهيرة ، سواء كان ذلك من ناحية الأسلوب وطرق التعبير أم من ناحية الموضوع والمحتوى والصور الفنية المعبرة ، والأصالة والجرأة وأهمية الموضوعات التي تناولها )*1

وقد عرف أدب وادي الرافدين أشكالا تعبيرية نذكر منها :

الأساطير :

هناك فرق بين الحكايات الشعبية الخرافية والأساطير ، وإن كانت الاثنتان قد سبقتا التاريخ المدون .. فالحكاية الشعبية الخرافية تعتمد أسلوب قصصي متخلف يقوم على اعتقاد باطل في كثير من الأحيان ، في حين أن الأسطورة قد تكونت في بدايتها عن تأمل فلسفي فكري عميق ، لتفسير ظاهرة طبيعية ، فأخذت الشعوب تلك الأساطير كثوابت في اعتقاداتها ، وتداخلت تلك الاعتقادات مع المعتقدات الدينية السماوية ، واحتلت مكانا في نفوس الشعوب الذين ورثوها عمن قبلهم من الحضارات المتعاقبة .

وتعتبر منطقة وادي الرافدين مهدا للأساطير ، وقد اشتهر منها أساطير دونت في أعمال أدبية راقية ، كملحمة (كلكامش) و ملحمة (الخليقة) و (الطوفان) ونزول إنانا ـ عشتار الى العالم السفلي وغيرها *2

أدب الحكمة و أجناس أدبية أخرى

قد لا ندلل بتلك العجالة على شيء من غنى آداب وادي الرافدين ، ولكننا سنجتهد في (تكثيف ) ما نود التدليل إليه بتلك الأنواع من الآداب ، التي تشمل حكم ووصايا ، و العدل الإلهي والحوار بين اثنين من أصناف مختلفة من الكائنات ..

فتلك عينة من الحكم السومرية :

• لا تدع الغضب يظهر على وجهك في أثناء الخصام .
• المال مثل الطير لا يعرف موطنا ثابتا .
• إرم كسرة للكلب فيهز لك ذيله .
• لن يترك العدو بوابة مدينة ضعيفة السلاح .
• لا كسب بدون تعب .
• إذا كانت خميرة الجعة حامضة فهل تكون الجعة حلوة ؟
• هل تضرب الثور إذا كان دائبا على السير ؟
• شد حزامك يكن إلهك معك .
• إذا أسأت الى صديقك فما عساك أن تفعل مع عدوك ؟*3

وفي أدب وادي الرافدين نوع من أدب المناظرة ، فهناك مناظرة بين الراعي والفلاح و الصيف والشتاء ، والفأس والمحراث ، والقمح والشعير وغيرها ، وقد سبق أدباء وادي الرافدين غيرهم حتى (كليلة ودمنة ) في الأدب الساخر والحوار بين الحيوانات ، وهاكم هذا النموذج بين البعوضة والفيل :

( وقفت مرة بعوضة فوق ظهر فيل وهو يمشي ، فقالت له : هل أثقلت عليك يا أخي ؟ فإن كنت فعلت فإنني سأنزل عنك عند بلوغنا مورد الماء . فأجابها الفيل: من أنت ؟ لم أحس أنك كنت فوق ظهري ولن أعرف عندما ستنزلين !)*4

كما أجاد أهل الرافدين بالشعر الغزلي .. وقد تكون القصيدة التالية أول قصيدة غزل في تاريخ البشرية وهي بين (أنانا و دموزي ) :

أيها العريس الحبيب الى قلبي
جمالك باهر .. حلو .. كالشهد
أيها الأسد الحبيب الى قلبي
جمالك باهر .. حلو .. كالشهد
لقد أسرت قلبي فدعني أقف بحضرتك ، وأنا خائفة مرتعشة
أيها العريس دعني أدللك
فإن تدليلي لك أطعم وأشهى من الشهد
الخ القصيدة *5

وبرع أدباء من الرافدين في وضع التراتيل

يا منير الظلمات ويا من يمحو الشر في العلى وفي الدنى
تنشر أشعتك كالشبكة على البسيطة و الجبال والبحار
أنت تمسك بأطراف الأرض المعلقة من وسط السماء
....
أنت الذي تحاكم الأشرار و تختبر الأخيار
أنت تحكم في مصير من يغشون في الوزن والحساب
وتعاقب القاضي الذي لا ينهج محجة العدل
والمرتشي الذي يضلل طريق العدل *6

يتبع

المراجع
ــــ
1ـ طه باقر / مقدمة في أدب العراق القديم ص 34
2ـ ملحمة كلكامش / طبعة أنيس فريحة
3ـ طه باقر / المصدر السابق ص 147-156
4ـ المصدر السابق ص 182
5ـ من ألواح سومر / طه باقر ص 364
6ـ طه باقر / مقدمة في أدب العراق القديم ص 202