التنويع المالي والتنمية الاقتصادية

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : حسن العالي | المصدر : www.alyaum.com


http://static.mubasher.info/File.Story_Image/3030151.jpg

تشتق دول الخليج العربي، والدول النفطية عموما، مداخيلها من استخراج وتصدير النفط، وهذه المادة آيلة للنضوب في المستقبل، أي أن تلك المداخيل لا يتم اشتقاقها من مصادر متجددة بل من مصادر ناضبة، ولقد اتضح من خلال دراسات عالمية حول خصائص التنمية الاقتصادية للدول المعتمدة على مصادر ناضبة، أن معدلات الادخار والاستثمار التي يجب أن تحققها هذه الدول يجب أن تتجاوز بكثير مثيلاتها في الدول المعتمدة على مصادر متجددة؛ لكون تلك الدول مطالبة بالوصول الى مستويات من الدخل تعوض عن الدخل المتأتي من النفط في حالة نضوبه وذلك لكي تحافظ على ذات المستويات المعيشية لشعوبها، لا سيما وان هذه الخاصية لها العديد من الانعكاسات الهامة على سياسات الاقتصاد الكلي بما فيها سياسات الادخار والاستثمار.

ان ذلك يعنى أن على دول الخليج أن تتبنى استراتيجيات استثمارية حكيمة قادرة على خلق معدلات عائد مجزية ولكن آمنة بنفس الوقت، ان ايجاد مثل هذه الاستراتيجيات يرتبط كما هو واضح بالقدرة على استخدام الموارد المتاحة بصورة كفؤة وفاعلة.
وطالما أن الشكل الرئيسي للموارد القابلة للاستثمار هو المورد المالي، فان ذلك يعني ضرورة وجود ادارة مالية فاعلة وكفؤة سواء على مستوى الأجهزة الحكومية الموكل إليها استثمار هذا المورد او على مستوى النظام المالي الذي تلعب من خلاله البنوك والمؤسسات المالية الاخرى دورا فاعلا فيه.
وصحيح أن الأجهزة الحكومية في دول المنطقة سوف تظل تمثل الحائز الوحيد على الموارد المالية المتأتية من النفط، الا أن المساحة المتاحة للاستغلال في وضع وتنفيذ استراتيجيات الاستثمار التي تطمح اليها هذه الأجهزة أخذة بالتناقص وبكلام اخر، فان الارصدة الفائضة من هذه الموارد، وبعد أن يتم استقطاع الاموال الضرورية للنفقات المتكررة وصيانة واستكمال مشاريع البنية الاساسية وبعض المشروعات الضرورية الاخرى وسداد الديون المتزايدة لم تعد من الحجم والكفاية في العديد من دول الخليج لتنفيذ استراتيجيات الاستثمار التى نتحدث عنها، ان الأنظار باتت موجهة لرؤوس أموال القطاع الخاص التى لا يزال الجزء الأعظم منها في هيئة ودائع مصرفية واشكال استثمارية اخرى قصيرة الأجل، وبالتالي فهي مهيأة للمشاركة في تنفيذ استراتيجيات استثمارية أكثر طموحا.
وطالما ان دور القطاع الخاص بات يتعاظم في ادارة برامج التنمية، فان النتيجة الطبيعية ان كفاءة استخدام الموارد سوف تزداد بالنسبة للقطاع الخاص، ولعل أحد أهم اشكال هذه الموارد هي الموارد المالية، وبالتالي لا بد من التنويه بأهمية تحسين كفاءة الاجهزة التي تتولى ادارة الموارد المالية، ونعني بذلك النظام المالي برمته، وبذلك نصل الى نتيجة هي ان هناك دورا رئيسيا يتوجب على الانظمة المالية الخليجية أن تلعبه لتأمين كفاءة استخدام الموارد المالية المتاحة، والمشاركة الفاعلة في وضع وتنفيذ استراتيجيات استثمارية تحقق عوائد جيدة وعالية، بحيث تتمكن دول المنطقة من المحافظة على مستوياتها المعيشية في حالة نضوب النفط.
إن هذه النتيجة تثير بدورها تساؤلين رئيسيين: الأول يتعلق بماهية وطبيعة استراتيجيات الاستثمار التي يمكن أن تحقق عوائد عالية، في حين أن السؤال الثاني يتعلق بماهية المستلزمات الضرورية لتطوير وتفعيل الانظمة المالية الخليجية لكي تكون قادرة على أن تلعب دورها بكفاءة في تنفيذ تلك الاستراتيجيات.
فبالنسبة للتساؤل الاول، يمكن القول إن المشاريع التي تحقق عوائد كبيرة لا بد أن تنطوي على درجة من المخاطرة ايضا من الناحية الاستثمارية، ولم تعد مرحلة التنمية التي تمر بها دول المنطقة تتيح فرصا كبيرة للربح والعائد السريعين كما كان في الماضي، إلا أن هذه المرحلة لا تزال تقتضي انشاء وايجاد الكثير من المشروعات في المجالات الصناعية والزراعية والمالية والخدمية والمالية والتقاولية.
وهذه المشروعات تنقسم إلى قسمين رئيسيين: النوع الأول هو نمط المشروعات التقليدية كالصناعات الغذائية والبتروكيماوية والقائمة على النفط والالمنيوم، أما النوع الثاني فهو نمط الصناعات المتقدمة والتي تتضمن تقنيات عالية، وقيمة مضافة كبيرة ايضا كأجهزة ومعدات الاتصالات والمواصلات والاعلام والالكترونيات، ولعل المخاطرة الرئيسية التي تمثل تحديا امام اقامة النوع الاول من المشروعات هي المنافسة على مستوى اسواق دول المنطقة نفسها، حيث يتماثل اقامة الكثير من المشروعات المماثلة فى دول خليجية مختلفة، وبالتالي فان مصدر الخطر الرئيسي يكمن في المنافسة ضمن اسواق دول المنطقة، مما يتطلب من أجهزة القطاع الخاص ومؤسساته وفعالياته جهودا متواصلة وكبيرة لإقامة كارتلات صناعية على مستوى دول المنطقة ككل مما يخفف من حدة المنافسة البينية، أما بالنسبة للنوع الثاني من المشروعات، فلعل المدخل الأفضل له هو المشروعات المشتركة مع المستثمر الأجنبي، وهناك الكثير من الشواهد الناجحة في التجارب الاسيوية، ان سعة وتنوع الاسواق والمصدرين في العالم يتيح درجة أكبر من الحرية والانتقاء من جهة، ومن جهة اخرى فان مشاريع الاوفست الخليجية تمثل هي الاخرى مدخلا ملائما لتنفيذ هذه المشروعات.
أما بالنسبة للتساؤل الثاني، فالانظمة المالية الخليجية تحتاج بالفعل الى مزيد من العمق والتنويع، وعلى سبيل المثال، هناك حاجة ماسة لتطوير دور البنوك لتتجاوز وظائفها التقليدية المالية، كذلك تستدعي الحاجة تطوير اسواق رأس المال والنقد، وتشجيع قيام بنوك الاستثمار ومؤسسات تشجيع وترويح الاستثمار والادخار وبنوك التنمية ذات الملكية الخاصة، بالاضافة إلى تطوير أدوات السياستين المالية والنقدية، والأهم من ذلك ان يتم ربط هذه التطويرات ببرامج الاصلاح الاقتصادي والاهداف الموضوعة لها، وذلك بافتراض أن دول المنطقة تمتلك هذه البرامج بالفعل أو تسعى لوضعها في المرحلة المقبلة بالنظر إلى أهميتها البالغة في تشجيع القطاع الخاص على القيام بدور أكبر ورئيسي في التنمية.