الادخار ودوره في النمو الاقتصادي

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : أ / محمد علي صالح المكردي | المصدر : www.yemen-nic.info

http://imagecache.te3p.com/imgcache/0b34d3af041b17747cdd4e32063c9152.jpg

 

تعد قضية الادخار من أهم القضايا التي ركز عليها الفكر الاقتصادي كركيزة من ركائز التنمية الاقتصادية فقد ارجع الاقتصادي (نيركسه) الفقر الذي تعاني منه البلدان النامية إلى عدم قدرة الأفراد على الادخار مما يعني انخفاض عرض رأس المال وانخفاض معدل النمو الاقتصادي(1) .

كما يجمع الكثير من الاقتصاديين على أن الادخار ضروري لتوفير رؤوس الأموال الضرورية لتنفيذ أي برنامج استثماري لإحداث دفعة قوية في النمو الاقتصادي ، وتمثل مشكلة انخفاض المدخرات في البلدان النامية أهم العوامل التي تقف وراء انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، مما يدفعها للاعتماد على التمويل الخارجي للاستثمار وذلك أمر غير مرغوب فيه لما له من أثار سلبية على اقتصاد أي بلد بسبب الأعباء التي يتحملها .

ولذا فان المدخرات المحلية تعد أمراً ضرورياًَ وحيوياً لتحقيق معدل نمو اقتصادي مناسب ومقبول ، وقد ناقشت العديد من الدراسات أهمية تحقيق معدل ادخار مرتفع كمحدد أساسي للنمو الاقتصادي ، وأكدت دور وأهمية تحقيق معدلات مرتفعة من الادخار المحلي لتمويل التكوين الرأسمالي اللازم لعملية التنمية خصوصاً إذا كان البديل هو الاعتماد على الخارج في تمويل الاستثمارات ، وكما نعلم من خلال الفكر الاقتصادي بأن التوازن بين الادخار والاستثمار ( التوازن في سوق السلع والخدمات ) هو أحد المتطلبات الرئيسية لتحقيق التوازن الكلي للاقتصاد وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وتبدو أهمية وضرورة زيادة المدخرات المحلية في اليمن واضحة نتيجة لانخفاض معدل النمو الاقتصادي الأمر الذي يؤكد أهمية إتباع سياسة ادخارية جديدة وضرورية لزيادة معدل النمو الاقتصادي ويؤدي إلى زيادة معدل التوظف للعمالة الجديدة التي تتزايد وتنمو بشكل كبير نظراً لما تعانيه اليمن من ارتفاع كبير في معدل النمو السكاني والذي يعد من أعلا المعدلات العالمية والذي يتراوح بين حوالي 3.5- 3.7% سنوياً مما يؤثر في ارتفاع معدل البطالة والذي قدرته بعض المؤسسات الدولية بحوالي 35%(2) ، ومن هنا تبرز أهمية زيادة المدخرات المحلية في اليمن وتوجيهها نحو الاستثمار في كافة المجالات الإنتاجية والخدمية ...الخ بهدف تخفيف حدة البطالة التي يعاني منها الاقتصاد اليمني ، ناهيك عن رفع معدل النمو للناتج المحلي الإجمالي بمعدل أكبر من معدل نمو السكان، ورفع متوسط دخل الفرد الحقيقي.

كما أن اليمن تعاني من الاختلال الدائم والمزمن بين حجم الاستثمار القومي المطلوب والمدخرات القومية المتاحة فقد كانت اليمن في العقدين الماضيين تعتمد بشكل كبير في تمويل برامجها الاستثمارية على المدخرات الخارجية ( القروض ) ، ونظراً لاستمرارية انخفاض الادخار المحلي في اليمن فأن هذا الأمر يضعها أمام عدة خيارات ، فإما الاستثمار في حدود المدخرات المحلية وهذا يؤدي إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي وتدهور متوسط دخل الفرد وتدهور مستويات المعيشة وتفاقم مشكلة البطالة والركود التي يعاني منها الاقتصاد اليمني , وإما اللجوء إلى التمويل عن طريق العجز فتتفاقم مشكلة التضخم ، وإما اللجوء إلى الاقتراض الخارجي ولا يخفى ما لهذا الخيار من مخاطر وأثار سلبية كبيرة تتمثل في أعباء الديون التي تتحملها الأجيال الحاضرة والقادمة ، ولإخراج الاقتصاد من الأزمات التي يعاني منها فان الخيار الأفضل هو زيادة معدل الادخار المحلي وتأتي هذه الدراسة في أطار إبراز أهمية الادخار المحلي في عملية النمو الاقتصادي ، و تحديد السبل التي يمكن من خلالها زيادة الادخار المحلي في سبيل تحقيق معدلات نمو اقتصادي أعلا .

مشكلة البحث :

تعاني اليمن مثلها مثل كثير من البلدان النامية من تدهور معدلات النمو الاقتصادي وتحقيق معدلات منخفضة مما دفع الحكومات اليمنية المتعاقبة وعلى وجه الخصوص منذ بداية عقد التسعينيات إلى الشروع في تنفيذ العديد من برامج الإصلاح الاقتصادي التي هدفت إلى زيادة معدل النمو الاقتصادي عن طريق :-

1. السيطرة على معدلات التضخم عند مستويات متدنية .

2. تحقيق أسعار فائدة حقيقية موجبة .

3. الحد من تدهور أسعار الصرف في العملة المحلية ( استقرار سعر الصرف ) .

4. تحقيق معدلات نمو اقتصادي أعلا .

وعلى الرغم من أن اليمن قد نجحت من خلال برنامج الإصلاح المالي والاقتصادي في تحقيق قدر كبير من الاستقرار الاقتصادي وأعطت لسياسة الاستثمار والادخار جزءاً كبيراً من برامجها وسياساتها الاقتصادية ، إلا أنها لم تبد نفس الفعالية في تحقيق معدل نمو اقتصادي ، بل أن تلك السياسات لم تزيد من حجم الادخار بالقدر الكافي والمرغوب فيه مما يعني أن هناك عوامل أخرى تقف وراء عدم نجاح تلك السياسات والبرامج في تحقيق ذلك القدر من التراكم الرأسمالي الذي يحقق معدل النمو الاقتصادي المرغوب فيه وربما يرجع السبب في ذلك إلى ثلاثة عوامل هي :

العامل الأول :عدم فاعلية السياسات الاستثمارية المطبقة .

العامل الثاني : اختلال العلاقة بين الادخار المتاح والاستثمار المطلوب .

العامل الثالث : الاثنين معا .

ويعد العامل الثاني والمتمثل في الاختلال بين الادخار المتاح والاستثمار المطلوب هو فحوى مشكلة البحث ، فاليمن ومنذ حقبة من الزمن تعاني من اختلال شديد بين حجم الادخار وحجم الاستثمار ( فجوة الادخار والاستثمار ) بل أن الادخار المحلي كان يحقق قيم سالبة في العديد من السنوات ، وبالرغم من تركيز الحكومة على الإصلاحات الاقتصادية في مجال سعر الفائدة بهدف تحقيق أسعار فائدة موجبة وبغرض تحفيز الادخار المحلي والتي جاءت نتيجة لتحقيق سعر الفائدة معدلات سالبة في الفترة من1990الى1995 ، ومع تلك السياسات والإجراءات التي قامت بها السلطات النقدية في اليمن لإصلاح أسعار الفائدة إلا أنها لم تحقق أي تحسن في الادخار المحلي .

ومما سبق فإن خلاصة المشكلة التي يعاني منها الاقتصادي اليمني هي توسع الفجوة بين الادخار المحلي المتاح والاستثمار المطلوب بالرغم من السياسات الاستثمارية والاقتصادية التي تبنتها الحكومة إضافة إلى عدم استجابة الادخار للسياسات والبرامج الإصلاحية رغم أخذها النصيب الأكبر من برامج الإصلاح مما عكس نفسه سلباً على معدل النمو الاقتصادي .

فروض البحث :

يقوم البحث على فرضية أساسية هي :

أن انخفاض حجم الادخار المحلي المتاح في اليمن وعدم كفايته في تمويل الاستثمارات المطلوبة ، عكس نفسه سلباً على انخفاض حجم التراكـم الرأسمـالي ( تمويل الاستثمارات) وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي.

حدود ونطاق البحث :

يتناول البحث تطور هيكل الادخار المحلي في الجمهورية اليمنية في الفترة بين1990 إلى 2002 ، ودور المدخرات المحلية في عملية النمو الاقتصادي من خلال دراسة وتحليل البيانات الإحصائية المتاحة .

هدف البحث :

يهدف البحث إلى الآتي:

1- دراسة تطور هيكل الادخار في الجمهورية اليمنية ومعرفة مدى مساهمة هذه المدخرات في تمويل الاستثمار لتحديد وقياس حجم الفجوة بين الادخار والاستثمار.

2- العوامل التي تقف وراء انخفاض حجم الادخار المحلي في اليمن من خلال قياس درجة الارتباط بين الادخار المحلي كمتغير تابع وتلك العوامل كمتغيرات مستقلة وتحديد العوامل الأكثر تأثيراً في الادخار .

3- دراسة متطلبات وسبل تنمية المدخرات وكيفية الارتفاع بمعدل الادخار المطلوب في اليمن من خلال الإجراءات والأساليب اللازمة لتحقيق ذلك .

4-قياس العلاقة بين التراكم الرأسمالي والادخار من جانب وعلاقة النمو بالتراكم الرأسمالي من جانب أخر لمعرفة درجة تأثير الادخار المحلي بالتراكم الرأسمالي والنمو الاقتصادي .

منهج البحث :

تعتمد الدراسة على الأسلوب التحليلي بشقيه ألوصفي والكمي بما يتلاءم وطبيعة موضوع الدراسة ، حيث يستخدم الباحث الأسلوب ألوصفي لظاهرة الادخار ودوره في النمو الاقتصادي بالإضافة إلى استخدام بعض الأساليب الكمية لقياس العلاقة بين الادخار والعوامل المؤثرة عليه ، وقياس العلاقة بين الادخار والنمو الاقتصادي .

أهمية البحث :

تنبع أهمية تلك الدراسة من ندرة الدراسات في مجال الادخار المحلي ودوره في مجال النمو الاقتصادي ولما كان ولا يزال الادخار المحلي قيد رئيسي للتراكم الرأسمالي وبالتالي النمو الاقتصادي فقد أصبح يمثل الشغل الشاغل بل انه صار المرتكز الرئيسي لأي برنامج إصلاح اقتصادي تتبناه الحكومة إذ يعد تحقيق النمو الاقتصادي أبرز أهداف أي برنامج اقتصادي ، ولا يتأتى تحقيق معدل أعلا للنمو الاقتصادي إلا من خلال رفع معدلات الادخار المحلي وزيادة مساهمته في حجم التراكم الرأسمالي .

محتويات البحث

قسم هذا البحث على أربعة فصول

الفصل الأول : و سيتم التركيز في هذا الفصل على دراسة الادخار المحلي والعوامل المحددة له ، وعلاقة الادخار بالنمو الاقتصادي في الفكر الاقتصادي كمدخل نظري للبحث في مبحثين الأول منها يركز على محددات الادخار في الفكر الاقتصادي ، والثاني يركز على علاقة الادخار بالنمو الاقتصادي في الفكر الاقتصادي .

الفصل الثاني : يركز هذا الفصل على دراسة تطور هيكل الادخار المحلي في اليمن ومحدداته في مبحثين المبحث الأول نتناول فيه تطور هيكل المدخرات المحلية في الفترة من 1990م إلى 2002م أما المبحث الثاني فنتناول فيه دراسة قياسية لمحددات الادخار في اليمن باعتبار أن الادخار المحلي متغير تابع والعوامل المؤثرة فيه متغيرات مستقلة .

الفصل الثالث : سوف يركز هذا الفصل على دور الادخار المحلي في تمويل الاستثمار وزيادة معدل النمو الاقتصادي في مبحثين الأول منها يركز على تطور هيكل الاستثمار في اليمن والمبحث الثاني يركز على دور المدخرات المحلية في تمويل التراكم الرأسمالي وقياس الفجوة بين الادخار والاستثمار بالإضافة إلى دراسة دور المدخرات المحلية في زيادة معدل النمو الاقتصادي .

الفصل الرابع : وسيتم التركيز في هذا الفصل على دراسة السبل والسياسات المطلوبة والضرورية في تعبئة المدخرات المحلية في ثلاثة مباحث يتناول المبحث الأول منها دور السياسات الاقتصادية في حشد وتعبئة المدخرات المحلية ، كما يركز المبحث الثاني على أهمية إصلاح القطاع المصرفي في اليمن ودوره في حشد وتعبئة المدخرات المحلية ، أما المبحث الثالث فيركز على أهمية نشر الوعي الادخاري في حشد المدخرات المحلية .

 

(1) رمزي زكي، مشكلة الادخار مع دراسة خاصة عن البلاد النامية، الدار القومية للطباعة والنشر ، القاهرة 1966م، صـ24.

(2) لمزيد من التفاصيل على هذا الموضوع أنظر:

- عبد الرحمن البيضاني ، ظاهرة البطالة ونظرة خاصة عن اليمن ، دراسات في الاقتصاد اليمني ، تحرير أحمد علي البشاري ،1995 كتاب الثوابت، ص (351-361).

- أحمد محمد مقبل، ظاهرة البطالة في اليمن، دراسات في الاقتصاد اليمني، تحرير أحمد علي البشاري ،1995 كتاب الثوابت، ص ( 362-372).