نادرة هي تلك اللحظات التي أصاب فيها بجنون النظافة... إنها فترة المراهقة كما تعلمون ، تبدأ صباحك شاعرا ثم تتجه ميولك نحو السياسة عصرا لتجد نفسك فيلسوفا بعد الغروب ، من المزعج إدراك أنني بيولوجيا مازلت مراهقا في التاسعة عشر ، برغم كل شئ لابد أن تتغلب الطبيعة البيولوجية علي تصرفاتي ، لا يمكنك تشغيل لعبة عالية التجسيم علي كارت شاشة أثري لو كنت تفهم ما أعنيه... لكنني قد أكون المراهق الوحيد الذي يبدأ صباحه كناسا ، هذا ولا شك يمنحني بعض التميز رغم أنف جميع المارة الفضوليين ، شاب يكنس أمام منزله..هذا مشهد لا يتكرر كثيرا و يستحق المشاهدة ، لا تنس أننا في بولاق الدكرور و لسنا في بورتو مارينا ، هذا لو كان في بورتو مارينا ما يستحق كنسه... ************************* كنت قد قاربت علي الإنتهاء حين دخلت المنزل لجلب كيس قمامة اضع فيه ال... هنا شعرت بحركة أسفل السلم ، لابد و أنها قطة تسللت بينما انا بالخارج... هكذا حملت عصا المقشة بيدي مترقبا ، لن أبالغ لو قلت أنني لا أبالغ في ردة فعلي هذه ، فتلك الكائنات البغيضة لن ترتمي في أحضانك حتما كالتي تراها في الأفلام الأمريكية ، قطط بولاق الدكرور تثب في وجهك و تخمشك بأظافرها اللعينة قبل أن تدرك طبيعة ما تواجهه تحديدا ، (تربية شوارع) كما يقال... بيد أن ما رأيته أسفل السلم جعلني أتمني لو اجتمعت قطط بولاق كلها هنا بدلا منه... هذا شئ يصعب التخلص منه بعصا مقشة... ************************ كانت تنظر لي نظرة خالية من أي تعبير ، و كانت ترتجف لا أدري من البرد أم خوفا مني ، إعتدت أن أكون مثيرا للشفقة لا للرعب... -هش يا ماما ليس هذا مكانا للإيواء. ذات النظرة و ذات الرجفة ، إما أنها بكماء أو أنها... -اقول إلي الخارج إن أمامي يوما طويلا من التنظيف. ولا حياة لمن تنادي... تأملت في ملامحها أكثر فأدركت أنني رأيتها من قبل ، و لمزيد من الدقة كنت أدرك أنني أعرفها منذ رأيتها لكنني لم أجد الوقت الكافي كي أفكر في ذلك... ________________________________________________ (المجنونة) كما يسمونها في شوارع المنطقة ، لطالما رأيتها إما تتحدث مع نفسها أو تتحدث مع أشخاص وهميين ، لا تقبل الصدقات ولا تحاول استجداء عطف المارة ، و كل ما تفعله تفعله مع ذاتها علي عكس باقي المجانين الذين يتشاجرون معك دائما لمجرد انك موجود علي ظهر هذا الكوكب ، إنني أعتبر أمثالها من المتحدثين لأنفسهم عينة نادرة للغاية... عينة استطاعت التواصل مع ذاتها لدرجة لا مثيل لها ، سمهم مجانين أو سمهم ما تشاء فلن يغير ذلك حقيقة أنهم الأفضل من الناحية النفسية... و حتما لن يغير ذلك حقيقة أنك تتمني تقليدهم أحيانا... ________________________________________________ إن الأمور تختلف تماما عندما تراها عن كثب... نظرتك للمجنون في الشارع لابد و أن تختلف تماما نحوه إذا صار فجأة داخل منزلك... حين تأملت ملامحها أكثر ادركت انها في العشرينيات من عمرها ، لا يمكنك إنكار لمحة الجمال في وجهها ، شعر قصير متسخ ، ملامح منمنمة متسخة ، ثياب مهترئة متسخة... كانت تأكل بنهم و كأنما لم تأكل منذ سنين ، و برغم تعاطفي معها ببعض الطعام إلا أنني ظللت أنظر نحوها كنوع من الكارثة المجسمة ، لا يوجد أسوأ من ذلك كي يصير موقفي حرجا ، شاب مراهق و فتاة متشردة ، لابد من التخلص من هذه التهمة المتحركة قبل أن يستيقظ أحد...