نظرة هادئة للدكتور محمد البرادعي

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : محمد جلال القصاص | المصدر : saaid.net

بسم الله الرحمن الرحيم
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


نظرة هادئة للدكتور محمد البرادعي


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، ومَن أحبه واتبع هديه:ـ

جمَّعت ما توفر من مادة علمية عن الدكتور محمد البرادعي، ثم رتبته حسب الزمن، ورحت أنظر إليه نظرةً  هادئة، أفتش عن الثابت عند هذه الشخصية. ولكل شخصيةٍ ثابت ومتغيرات خادمة لهذا الثابت، وكل شخصيةٍ حال جهادها في تحصيل ثابتها تتطور. وتطورها يُبرزُ ثابتها، ويحدد توجهها في المستقبل. وهذا هو الهدف من هذه الدراسة المختصرة: البحث عن الثابت عند الدكتور البرادعي، وبالتالي تحديد الدور الذي يلعبه في الساحة السياسية، ومن ثم توجهه في المستقبل.


نشأته
:
ولد الدكتور محمد البرادعي في بيت نقيب المحاميين في زمانه، وكان لوالده نوع بروز في الحياة العامة، ثم عمل ـ فور تخرجه من الجامعة ـ في وزارة الخارجية المصرية، وكان لوظيفته ارتباط بالأمم المتحدة، ثم ترك السلك الدبلوماسي وعمل مدرساً للقانون بجامعات أمريكا، وبقي بها، وعمل عضواً في بعض منظماتها، ثم التحق بوكالة الطاقة الذرية، وعين رئيساً لها بالإجماع ـ تقريباً ـ !!

أهم ما ينبغي الوقوف معه في هذه المسيرة هو
أن البرادعي عاصر ـ كسياسي وفي الخارجية وفي وظائف رفيعة ـ أحداثاً مهمة، بعد حرب 1973، ومروراً بمعاهدة السلام، واتفاقية كامب ديفيد، وتسليم جزء من سيناء في أيام مبارك، ولم يصدر منه أي اعتراض على ما يحدث. فقد ظل الرجل هادئاً ممسكاً بوظيفته رغم تلك الأعاصير، مما يعطي نتيجة واحدة ـ كما يبدو لي ـ وهي أن الرجل مثابر على "الترقي" في السلم الوظيفي.. على تحصيل الألقاب.. والقضايا الفكرية أو السياسية لا تهمه .... لم تظهر عليه أعراض التفكير.. ولا أعراض "المقاومة" رغم أنه نشأ في بيت أحد "المشاكسين" سياسياً، وظل موظفاً منضبطاً، طامحاً في الترقي حتى قارب السبعين من عمره.

وشيء آخر يفهم من مسيرته هذه
: هو أن الرجل ليس له أي ذكر في الساحة العربية أو الإسلامية، ولم تبدو عليه أعراض الهوية العربية أو الإسلامية في تلك الفترة الطويلة؛ بل يبدو بوضوح أن البرادعي منذ سافر للغرب أحبهم وظل بينهم كأحدهم، حتى أنه الآن لا يتحمل الإقامة في مصر لفترة طويلة، أو لا يتحمل الخروج من "بحر الغرب" لفترة طويلة، فما هي إلا أيام ثم يغادر إلى الغرب.

 ويمكن التأكد من خلو شخصية الدكتور البرادعي من الهوية العربية والإسلامية من تتبع مخرجاته في تلك الفترة: فلن تجد فيها شيئاً مما يتبناه اليوم، أعني المطالبة بالحريات للشعوب المستضعفة، والرغبة في الرفعة بمصر، بل شهد بعض من عمل معه في وكالة الطاقة الذرية بأنه تعدى على مصر وشارك في توريطها دولياً حال عمله في وكالة الطاقة الذرية!!، وشهادته مسجلة بالصوت والصورة ومنشورة على اليوتيوب، وكذا كان على رأس فريق التفتيش الدولي الذي أدان العراق بغير حق، وأنصاره يبترون جزءاً من حديثه ولو أكملوا الحديث لظهرت إدانته وأنه قد تعدى أو شارك في التعدي الدولي على العراق.


ويمكن التأكد من خلو شخصية البرادعي من الهوية الوطنية خصوصاً والعربية عموماً فضلا عن الإسلامية
من تتبع مواطن التكريم، فقد كُرِّم الرجل من عدد من الدول في الشرق والغرب، لم تكن منهم دولة عربية، لم يظهر له نوع تكريم في دولة عربية، رغم أنه كرم من المتعارضين (كوريا، الصين، اليابان، أمريكا وأوروبا، دول أمريكا الجنوبية،...).

وهذا لا يعكس فقط أن الرجل بعيد عن مصر والعرب، وإنما يعكسُ تكريمُ الأضداد له أن الرجل بلا موقف فكري واضح، فهو حبيب لدول شرق ووسط وشمال أسيا، وأمريكا وأوروبا، وأمريكا الجنوبية، وهذا ملحظ مهم للتعرف على ملامح الشخصية. ولايصح الاحتجاج بتكريم مصر له، فهذا إجراء روتيني، ولو كان صاحب "مقاومة" حقيقية ما قبل التكريم من "المخلوع".


فجأة نبت البرادعي في مصر بصيغة تخالف تماماً التي عاش بها قرابة السبعين عاماً (1942م ـ 2010م). ظهر متقدماً في أعلى نقطة وأبعد نقطة في الساحة السياسية المصرية، يتحدث عن الحريات، وعن الفقراء، وعن ظلم الحكام وضرورة تغييرهم.!!


ليس من السهل على عاقلٍ أو نصف عاقلٍ أن يقتنع بأن المفاهيم والأفكار وخاصة من هذا النوع تنبت بين عشية وضحاها .. أن يشب ويشيب رجل في شيء ثم يتغير طبعة في السبعين...


ماذا حصل؟

التفسير المنطقي للحالة البردعوية هو أن هناك من دفع به في الساحة المصرية؛ مَن أغراه بأن مقاومة النظام المصري فرصة لرصيد جيدٍ يضاف لشخصيته وخاصة بعد أن كبر السن وأخذ فرصته في الوظائف الرسمية، ولم يعد يطمع في مثل ما قد كان. وخاض الرجل المخاضة المصرية بحثاً عن ذاته، وثقة بأن الأمر لن يكلفه الكثير وخاصة أنه شخصية دولية لا يستطيع النظام المصري التصدي لها بذات الأدوات التي استعملها مع "أيمن نور" أو مع المعارضة الإسلامية.


الأهم هو ملاحظة السياق الذي دخل فيه البرادعي في الساحة السياسية المصرية
، وهو سياق "الشباب". الظاهرة (ظاهرة اتحاد البرادعي والشباب) يبدو بوضوح أن ثمة دمج بعوامل حفز وضغط وظروف تفاعل قاسية، وكلما غفل الضاغط أو سهى حصل انفكاك، مما يدل على أنه دمج بين متنافرين، وأن ثمة من جمَّع بينهما "في الحلال" رغماً عنهما، وأن هذا الذي جمَّع بينهما هو الفاعل الحقيقي.!!

 يمكن الاستدلال على ذلك بأمور، منها

أن البرادعي من سياقٍ مختلف عن الشباب، فلم يك يوماً مهتماً بالشباب عموماً، ولا بقضايا من اتحد معهم من الشباب في مصر خصوصاً.

نفر منه الشباب بعد قليل، بل ونفر منه كل من تعامل معه من أفراد ومؤسسات، حتى لم يكد يبق حوله شخص واحد بصفة دائمة. وهذا يعطي معلومة ظاهرة وهي أن شخصية البرادعي لا أقول منفرة، وإنما لا يهمها تجميع الأشخاص وقيادتها نحو تنفيذ الأهداف. أو هي شخصية فاشلة في التنفيذ، فقط يقتصر دورها على تسويق الفكرة ليس إلا، وذلك بما لها من حضور دولي.

3ـ ومما يدل على ان البرادي مُقحم ـ كما يبدو لي ـ هو أنه لا يصبر على مجرد الجلوس في مصر، فهو سريع الخروج إلى أوروبا، وأصحاب الدعوات يصبرون، ويصابرون، ويبذلون، ويضحون، وبتضحيتهم يتلذذون.

4ـ ومما يدلل على أن هناك من دفع بالبرادعي للساحة المصرية أو أن البرادعي يحمل أجندة غربية ينفذها في مصر أن هذا الأمر كثير اليوم في الساحة، فعامة "قادة" الرأي والفكر المشهورين جماهيرياً أبطال مصنعون، وليسوا حقيقيون، أو أن الفاعلين يتجمعون في شخصية واحدة. فكلما رأيت مشهوراً يصنع الحدث، فإنما هو تركيبة من غير قليل من الأشخاص والمؤسسات، فهو، والإعلام، والتمويل، والتسويق، والإعداد... الخ. وهذا الأمر يكاد يكون مضطرداً، والتأكد منه بالنظر في النماذج التي تملك ذات الإمكانات ولم تأخذ ذات المساحة من التأثير في واقع الناس، ذلك لأنها لم يضف إليها باقي الفاعلين.

5ـ ومما يدل على أن البرادعي أُقحم في سياقٍ ولم يبتدئ هو ـ كما يبدو لي ـ : نشأة الذين أحاطوا به (الشباب)، فقد كانت نشأة عامة هذه الحركات ـ أو قيادتها ـ مرتبط بالخارج وخاصة أمريكا.
ولا يتحدثن أحد بأنها منظمات أهلية، فهذه خدعة، وعلماء "العلاقات الدولية" يضعون المنظمات الأهلية ضمن الفاعلين الدوليين، فليسوا شيئا هامشياً لا نلتفت إليه.


ماهي رسالة البرادعي؟

باختصار أن يكون رأس حربه لمشروع "ثورات الشباب"؛ قيادة ذات ثقل تاريخي ولها سن لتمرير مشروع ثورات الشباب، تماماً كما اتخذ اللواء محمد نجيب في "ثورة الشباب" في يوليو 1952م. 

هذا هو التفسير الأوضح للدور الذي أريد للدكتور البرادعي أن يؤديه، فقد عزمت أمريكا وخططت للقيام بتغيرات جذرية في الساحة العربية عموماً والمصرية خصوصاً، أهم ملامح هذه التغيرات هو تسليم السلطة ـ وإنْ بثورة وهمية ـ لجيلٍ من الشباب، والتوسعة على الناس قليلا في أرزاقهم وحرياتهم الشخصية لتحييد عددٍ كبيرٍ من المعارضين والانفراد بالأصولية الإسلامية، وهزيمتها اجتماعياً (عزلها عن المجتمع) ثم سحقها عسكرياً في السجون أو تحت جنازير المدرعات. والبدء في دورة تاريخية جديدة كالتي بدأت بثورة العسكر في يوليو 1953م   

ولذا تجد أن المعلم الأساسي في أطروحات البرادعي هو: ادعاء الاصطفاف بين الشباب، وأن الثورة ثورتهم، وأنه جاء ليسلمهم السلطة وينصرهم في آداء مهمتهم.
ومعلم آخر لا يقل أهمية وهو: أن البرادعي يقف ضد ما هو إسلامي الصبغة، وقد رضي بالإخوان مؤقتاً، ثم انفض عنهم وانفضوا عنه، وكلما جاء الإسلام وتطبيق الشريعة يذكر أن الأولوية لغير تطبيق الشريعة، وأن القراءات متعددة ويتحدث عن إسلامٍ كإسلام "الغنوشي" التونسي.

ويمكننا أن نقول بأن البرادعي فشل في مهمته، وتحول لطريق آخر يتلخص في صناعة كوادر شبابية، وتكوين تيار سياسي عام في الساحة المصرية يأتينا بعد أعوام، وقد يحقق بعض النجاح، ولكن الحالة الإسلامية استيقظت هي الأخرى وانصرفت لصناعة الكوادر، وبعد أعوام يصادم تلاميذ البرادعي من لا قبل لهم بهم بحول الله وقوته، ويفشل مرة أخرى.


الغبش حول البرادعي يأتي من
محاولة تقييمه في المرحلة الأولى (بداية ظهوره في فبراير 2010م)، فقد التف الجميع حوله، لا حباً فيه؛ بل رغبة في التخلص من نظام مبارك، كونه "محصناً" لا تطاله يد مبارك وزبانيته، فظن الكل أن بإمكانه توظيف البرادعي، أو الاحتماء خلفه، ولذا تجمع الكل حوله بداية، ثم تفرقوا تباعاً.

أين تقف ظاهرة البرادعي الآن وإلى أين تسير؟

يمكننا أن نقف فوق رأس البرادعي ومن خلفه ومن حوله ونردد قول الله تعالى: "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، وقول الله تعالى: " إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً".

كان البرادعي خياراً ممتازاً لنا نحن الإسلاميين، فقد كنا نقارنه بالمخلوع وابن المخلوع، وكان من الطبعي أن نقف بصفه. ثم جاءت الثورة، وجاء حازم أبو اسماعيل فانقلبت الموازين. وأهل السياسية يقولون: بأن كل اتفاقية مشروطة بشرط ضمني وهو عدم تغير الظروف التي عقدت فيها. فلا أدري لم يحزن قومنا من تنصل الإسلام السياسي من البرادعي وقد تغيرت الظروف، وهم أدعياء سياسة؟!!

باختصار: كان يُعرض علينا ونختار، والآن بعد أن أظهر اللهُ فينا حازم أبو اسماعيل زمام المبادرة (وهو الأهم في الحراك السياسي) في يد الطرف الإسلامي، وأصبحت الخيارات كلها إسلامية، نحن نعرض وهم يختارون.


أعي جيداً أن الوضع لم يستقر للظاهرة الإسلامية
، وأن الانقلاب ـ نظرياً ـ علينا وارد، ولكن للأمور موارد، والسياق لا يَكذب، والذي يبدو أن الله يمكر بهم، وقد يكون المكر بنا بعد في أن نبتلى ببعضنا أو بعدو من خارج أرضنا، ولكن القوم مخذولون، والدائرة عليهم. والظاهرة الإسلامية ترشد الآن، ولم يبق لها إلا أن تفهم أنها في معركة على جميع الجبهات، وأهمها الناحية الاجتماعية، وأنها معركة قد بدأت ولم يعد يحل الجلوس عنها، وإلا ستكون ردة ندفع ثمنها جميعاً، وأكتب عن المعركة الاجتماعية بعد إن شاء الله وقدر .

محمد جلال القصاص
العاشر من رمضان 1433هـ
30/7/2012

من نظرات محمد جلال القصاص الهادئة.
 
نظرة هادئة "للشيخ" ياسر برهامي (مقال)
 
نظرة هادئة للدكتور حسن الترابي (مقال)
 
نظرة هادئة للدكتور محمد سليم العوا (مقال)
http://www.saaid.net/Doat/alkassas/115.htm
 
 
 
عباس العقاد (كتاب)
http://saaid.net/book/open.php?cat=88&book=6308