إسرائيل و ديموقراطيتها المطاطية

الناقل : elmasry | الكاتب الأصلى : د. فايز رشيد | المصدر : www.grenc.com

 

إسرائيل و'ديموقراطيتها' المطاطية  إسرائيل التي تعتبر خارج إمكانية تطبيق القرارات الدولية بحقها، والتي ترفض تطبيق أية قرارات للأمم المتحدة حول الحقوق الفلسطينية، وقرار محكمة العدل العليا في لاهاي حول 'الجدار العنصري العازل'، تمارس ديماغوجية 'التطبيق الديموقراطي' في دولتها، وسط تصديق وتأييد غالبية دول العالم ومعظم الشعوب وعباقرة'حماية الديموقراطية' على الصعيد الدولي بمن فيهم:عرب وفلسطينيون، الذين يصدقون 'ديموقراطيتها'، وقد كان لصاحب هذه الكلمات مؤلفاً بعنوان 'زيف ديموقراطية إسرائيل' الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عمّان في العام 2004، والذي لاقى استحساناً كبيراً في الوطن العربي، وبخاصة من المتخصصين في الشأن الإسرائيلي.
بداية لا ننكر أن هناك بعض الأشكال من الديموقراطية الإسرائيلية يجري تطبيقها فيما يتعلق بالشأن اليهودي فقط. لقد حرصت الحركة الصهيونية على تصوير دولتها المنتظرة كدولة ديموقراطية بهدف اجتذاب هجرة اليهود اليها من دول أوروبا الغربية في بدايات القرن العشرين، وقد كان الموضوعان الديموقراطي والمسألة القومية في أوج طرحهما في أوروبا آنذاك. كما استطاعت إسرائيل خداع اليهود في أوروبا الشرقية في تصوير: أنها دولة أقرب إلى الاشتراكية منها إلى الدولة الرأسمالية، ولذلك حرصت (حتى قبل تشكيل الدولة) على إنشاء 'المزارع الجماعية' والتي تُعرف باسم 'الكيبوتزات'. وقد كانت الاشتراكية في أوج امتدادها في الربع الأول من القرن العشرين، حيث شكّلت آنذاك 'موضة العصر' بعد انتصار ثورة أكتوبر في روسيا في عام 1917، وبداية تشكيل لينين لروسيا الاشتراكية وللاتحاد السوفياتي فيما بعد.
إن أبسط أنواع الفهم للديموقراطية: أنها كل متكامل وليست عناوين منفصلة، يجري تطبيق بعضها والتنكر للبعض الآخر، فلا تستقيم الديموقراطية مع العنصرية ولا مع الترانسفير للعرب، ولا مع ممارسة فعل الاحتلال على الآخرين، ولا مع اقتراف المذابح وكل الموبقات بحقهم،ولم يكن صدور قرار الأمم المتحدة رقم (3379) في 10/نوفمبر/1975 مجاملةً للعرب والفلسطينيين 'باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري'. في إسرائيل تمييز واضح بين اليهود الغربيين أنفسهم، الذين من أتوا منهم من أوروبا الشرقية ومن أتوا من الغربية، وتمييز ضد اليهود العرب فما بالك بالفلاشا الذي أتلف بنك الدم الإسرائيلي دماءهم (وبفتوى من بعض الحاخامات) تحت ذريعة: احتمال إصابتها بالإيدز (وكأن المختبرات الإسرائيلية غير قادرة على اكتشاف وجود الإيدز من عدمه) بينما يتمثل السبب الأساسي في أنه يجري التشكيك بيهوديتهم!. وبالطبع هناك التمييز الصارخ ضد العرب الفلسطينيين.
إسرائيل تُخضع القوانين لسياساتها، بينما في التطبيق الديموقراطي: العكس هو الصحيح. كذلك في الديموقراطية فإن سلطة القضاء مستقلة تماماً عن السلطات الأخرى، بينما سلطة القضاء الإسرائيلي تخضع للسياسة. أيضاً فإن الدولة الديموقراطية لا يتنفذ فيها الحاخامات ولا العسكريون كما في إسرائيل، والذين يطبعون السياسة والمجال الاجتماعي الإسرائيلي بفتاويهم وصقوريتهم. أما عن النظرة الاستعلائية الدونية من قبل اليهود للآخرين فأحيل القاريء الكريم الى كتاب إسرائيل شاحاك اليهودي الإسرائيلي 'الديانة اليهودية، التاريخ اليهودي، وطأة ثلاثة آلاف سنة' ليتحدث عن الجوانب العنصرية التي حرص الحاخامات على غرسها في الديانة، والتي تعتبر 'كل غير اليهود' أغياراً يتوجب: أن يعملوا في خدمة اليهود ويجوز قتلهم....إلى آخر مستلزمات العنصرية ومتطلباتها.
إسرائيل أيضاً تقلب القوانين وتصوغها وفقاً لمزج عجيب بين السياسة وبين التوارتية العنصرية ووجهة النظر الشوفينية المغرقة في تضخيم الذات 'الأنا' مقارنةً مع الآخرين. هذه القضية ومثلما سنبين تعاكس جوهر الديموقراطية تماماً. إسرائيل ومن قبلها الحركة الصهيونية حولّتا المفهوم الديني لليهودية إلى مفهوم 'قومي' يطلق على 'شعب' اسرائيل وعلى 'الأمة' اليهودية (وهم ليسوا قومية ولا شعباً ولا أمة) ولذلك من وجهة نظر روجيه غارودي في مؤلفه 'الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية' فإن عملية التحول هذه لابد وأن تصاحب بمفهوم عنصري واستعماري ضد الآخرين. الدولة الديموقراطية هي دولة علمانية لا مجال لدخول الدين في سياساتها. إسرائيل ومنذ إنشائها أكدّت على مبدأ 'يهودية الدولة' في قانون أساس (عوضاً عن الدستور) سنّته الكنيست في عام 1948 وأيضاً سنت 'قانون العودة' وبموجبه أعلنت التزامها بلم شمل اليهود أو من يتهودون، في إسرائيل. مبدأ 'يهودية الدولة' يتطور في إسرائيل إلى الحد الذي يشترط فيه نتنياهو على الفلسطينيين والعرب الاعتراف بهذا المبدأ قبل تحقيق أية تسوية معهم. وفيما يتعلق بقرارات محكمة العدل العليا أقرت حكومة الليكود الأولى في عام 1977 برئاسة مناحيم بيغين 'بتحصين الطابع اليهودي للدولة في القوانين والتعليمات الإسرائيلية فيما يتعلق بمحكمة العدل العليا'. وفي عام 1985 أقرت الكنيست قانوناً أكدت فيه على الطابع اليهودي للدولة وينص على'أنه لا يجوز لأي حزب يعارض برنامجه مبدأ الدولة اليهودية أو يعلن عن عزمه على تغيير هذا المبدأ بالوسائل الديموقراطية أن يشارك في انتخابات الكنيست'.
الكنيست الحالي (الثامن عشر) هو الأكثر يمينية في إسرائيل منذ إنشائها وحتى اللحظة، وفي استطلاع للرأي أجرته صحيفتا ('يديعوت أحرونوت'و'معاريف') مؤخرا تبين بما لا يقبل مجالاً للشك: أنه لو أجريت انتخابات في الفترة الحالية، فإن أحزاب اليمين ستعزز من سلطتها في الكنيست. قوانين عنصرية كثيرة سنها الكنيست الحالي منها وعلى سبيل المثال لا الحصر: قانون منع إحياء ذكرى النكبة، قانون المواطنة (سحب الجنسية من أي عربي من منطقة 48 يقوم بالتحريض ضد إسرائيل)، قانون محاكمة الإرهاب، قانون تعريف إسرائيل على أنها 'دولة القومية اليهودية'، قانون يُلزم كل مرشح لتولي منصب قــــاض في محكمة العدل العليا أن يدلي بشهادة أمام الكنيست من أجل معرفة توجهاته، قانون بمعاقبة كل من لا يعترف بإسرائيل 'كدولة يهودية وديموقراطية' وغيرها وغيرها.
بعض المراهنين على ديموقراطية محكمة العدل العليا الإسرائيلية تقدموا بالتماسات للمحكمة لإلغاء بعض القوانين العنصرية، مثل 'قانون المواطنة'. رفضت المحكــــمة العلـــــيا هذا الالتماس. هذه هي (ديموقراطية) القضاء الإسرائيلي إنها فعلاً ديموقراطية مطاطية.

' كاتب فلسطيني