الرسالة الثانية إلى بنيتي الغالية

الناقل : SunSet | الكاتب الأصلى : د. عبد الرحمن حسان | المصدر : www.lahaonline.com

 
الرسالة الثانية إلى بنيتي الغالية
الرسالة الثانية إلى بنيتي الغالية


بنيتي الغالية: في الرسالة السابقة،  كتبت لكِ وأنتِ وردة لم تتفتح بعد، تنتقلين من المرحلة المتوسطة إلى الثانوية وحدثتكِ عن كيفية التعامل مع زميلاتك في تلك المرحلة الخطيرة، وبعد أن تخطيتِها بنجاح و وصلت إلى المرحلة الجامعية، وقد رأيت فيك رجاحة العقل والالتزام بالدين والخلق القويم، شرعتُ في أن أخط لك الرسالة الثانية.
بنيتي الغالية: لقد تغير الزمان حولنا بصورة مخيفة، وتعددت مصادر التوجيه وتشكيل الوعي، بعد أن كانت حكاية الأب والأم والجد والجدة لنا هي مصدرنا الرئيس الذي نتلقى منه القيم الأخلاقية العالية و البرنامج الترفيهي المحبب لنا في ذلك الزمن الجميل، وقد ساهمت بشكل كبير في تشكيل وعينا منذ الصغر، كما أن التربية لم تكن مسؤولية الأبوين والجدين وحدهم، بل كان الحي و القرية الذين يشكلون جسماً واحداً ولحمة متماسكة، كلهم يساهمون في عملية التربية والتشكيل، فالبيوت كانت مفتوحة والقلوب كانت مشرعة لتقبل النصح والتوجيه من الكبار الذين كنا نكن لهم كل الحب والتقدير.
وبعد أن انتقلنا إلي المدينة وصارت الأبواب مغلقة عن الدخلاء، والعيون متوجسة من الغرباء، وتطفلت القنوات الفضائية والإنترنت على حياتنا، وأضحت تشاركنا تربية الأبناء وتشكيل وعيهم، صعب الأمر علينا جدا، وإذا بنا في واقع جديد، ومعقد كل التعقيد، فإحصائيات الشرطة تسجل أغرب الجرائم الوافدة عبر الفضائيات المنتشرة، والتي نخرت في مجتمعنا، بل في أجسامنا وعقولنا، حتى تعودنا عليها وألفناها وأصبحت جزءا من واقعنا، وانطلق الغزو الفكري من خلال تلك القنوات كالعاصفة يعربد بكل ما حولنا وكان أول هدف له هو شبابنا وريحانتنا!!
في هذا الزمن الصعب كنت بنيتي العزيزة، تتخطين إلي مرحلة جديدة من حياتك وتواجهين مجتمع الجامعة، وهو مجتمع أكثر اتساعاً وتختلطين فيه بفتيات من جنسيات مختلفة ومن بقاع شتى، وأضحت الجامعات كذلك مرتعا خصبا للأفكار الغريبة والدعوات الدخيلة، التي كان مطلبها الأول أن تخلعي ما جبلت عليه من تربية وخلق سليم، وأن تتخلي عن مكارم الأخلاق والدين القويم.
إنهم يريدون باسم التحضر والتمدن، أن يتمكنوا منك فيسقطوا كل يوم قطعة من ثيابك وليس فقط ثيابك، بل حيائك وقيمك وأخلاقك حتى تصيري مسخا بدون هوية، وأنت تعلمين بنيتي بأن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم قد نصح فقال في الحديث الذي رواه الإمام البخاري رحمه الله (9/133): قال: حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها فاظفر بذات الدين تربت يداك" وأخرجه مسلم (2/1086).
بنيتي الغالية: تمسكي بدينك في زمن الفتن، وعضي عليه بالنواجذ، واحذري من التقليد الأعمى والانقياد خلف كل ناعق و كلي أمل فيكِ وقد وعيتِ ما هو مطلوب منك في هذه المرحلة، ولكنكِ لستِ مطالبة فقط بالنجاة بنفسك، وإنما مسؤوليتك تتعدى نفسك، وتشمل الآخرين ممن حولكِ من فتيات المسلمين.
أعلم أن المسؤولية كبيرة عليك، ولكنني على يقين بأنك قد تسلحت خلال المراحل المختلفة من التعليم بدروس مفيدة نافعة، وشهادات الداعية الصغيرة التي تزين جدران منزلنا تؤكد ذلك، وقد آن لداعيتنا التي كانت صغيرة وارتادت الجامعة أن تكون داعية بالخير بإذن الله. 
أسأل الله أن يوفقك وبنات المسلمين لما فيه صلاح مجتمعنا المسلم.